يتوقف العالم في يوم 21 أغسطس من كل عام؛ لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريم الناجين الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد بفعل العنف التطرفى. ويأتي اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب وتكريمهم ليؤكد أن مواجهة الإرهاب لا تكتمل بالتصدي للجماعات والتنظيمات المتطرفة فقط، وإنما تمتد إلى حماية الضحايا، وصون حقوقهم، وضمان حصولهم على الدعم اللازم لاستعادة حياتهم وكرامتهم.
وقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم في قرارها رقم 72/165 لعام 2017، ليكون 21 أغسطس مناسبة سنوية لتكريم ضحايا الإرهاب والوقوف إلى جانب الناجين، مع التأكيد على ضرورة تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية للمتضررين من الأعمال الإرهابية.
ويكتسب إحياء هذه المناسبة في عام 2026 أهمية خاصة، بالتزامن مع مرور 20 عامًا على اعتماد الاستراتيجية العالمية للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، التي أُقرت في عام 2006 بموجب القرار A/RES/60/288، لتشكل للمرة الأولى إطارًا عالميًا مشتركًا للدول في مواجهة الإرهاب على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
استراتيجية أممية بأربعة مسارات لمواجهة الإرهاب
لم تتعامل الاستراتيجية الأممية مع الإرهاب باعتباره قضية أمنية فقط، وإنما وضعت إطارًا متعدد الأبعاد يقوم على أربعة محاور رئيسية؛ يبدأ أولها بمعالجة الظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب، ثم منع الإرهاب ومكافحته، وبناء قدرات الدول لمواجهة التنظيمات الإرهابية وتعزيز دور منظومة الأمم المتحدة، وصولًا إلى المحور الرابع الذي يضع احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون في صميم جهود مكافحة الإرهاب.
وتشير الاستراتيجية إلى أن الإرهاب يمثل أحد أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين، وأن أعماله وأساليبه وممارساته تستهدف حقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية، وتهدد أمن الدول واستقرارها. ومن هنا، تطرح الوثيقة رؤية تقوم على مواجهة الإرهاب بصورة شاملة، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، وإنما تشمل الوقاية والتعاون الدولي ومعالجة العوامل التي قد توفر بيئة حاضنة للتطرف.
الضحايا في قلب المواجهة
وبعد سنوات من اعتماد الاستراتيجية العالمية، أصبح ملف ضحايا الإرهاب أكثر حضورًا في أجندة الأمم المتحدة، انطلاقًا من حقيقة أن آثار العمليات الإرهابية لا تنتهي بانتهاء الهجوم، وإنما يمكن أن تمتد لسنوات طويلة، سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن كثيرًا من الضحايا والناجين يواجهون خطر النسيان والتهميش بعد انحسار الاهتمام الإعلامي بالهجوم، بينما تستمر احتياجاتهم المتعلقة بالتعافي وإعادة التأهيل والاندماج في المجتمع. ولذلك تعمل منظومة الأمم المتحدة على دعم حقوق الضحايا واحتياجاتهم، وتعزيز قدرات الدول والمجتمع المدني على تقديم الدعم لهم.
ولا يتعلق الأمر بالتعويضات أو الرعاية المادية وحدها، وإنما يمتد إلى الاعتراف بالضحية، وحماية كرامته، وإتاحة العدالة أمامه، والاستماع إلى صوته، وضمان عدم تحويل معاناته إلى مجرد رقم في إحصاءات الإرهاب.
من الذاكرة إلى بناء السلام
وتحاول الأمم المتحدة خلال إحياء اليوم الدولي تحويل تجارب الضحايا من مجرد ذكريات مؤلمة إلى قوة يمكن توظيفها في بناء السلام ومواجهة خطاب التطرف.
ففي احتفالية عام 2024، حملت المناسبة شعار "أصوات من أجل السلام: ضحايا الإرهاب كمدافعين عن السلام ومربين عليه"، بينما ركزت مناسبة 2025 على شعار متحدون بالأمل: "العمل الجماعي من أجل ضحايا الإرهاب"، بما يعكس انتقال الاهتمام الدولي من مجرد تخليد ذكرى الضحايا إلى تمكينهم من المشاركة في صناعة الوعي ومواجهة التطرف.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أصوات الضحايا والناجين يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في رفع الوعي بالآثار طويلة المدى للإرهاب، وتعزيز ثقافة السلام، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف، خاصة عندما تتحول التجارب الشخصية إلى رسائل تدعو إلى التعايش ورفض العنف.
20 عامًا من الاستراتيجية.. وتحديات الإرهاب المتجددة
ويأتي عام 2026 كعلامة فارقة في مسار الاستراتيجية العالمية، إذ تجري الجمعية العامة للأمم المتحدة المراجعة التاسعة للاستراتيجية بالتزامن مع الذكرى العشرين لاعتمادها، بهدف تقييم ما تحقق خلال العقدين الماضيين والاستجابة للتهديدات والاتجاهات الجديدة في الإرهاب.
وتبرز هذه المراجعة في ظل تغير طبيعة التهديدات الإرهابية، وتطور وسائل التجنيد والدعاية والتطرف، واستخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية في نشر الأفكار المتطرفة، إلى جانب استمرار الصراعات والأزمات التي يمكن أن تستغلها التنظيمات الإرهابية لتوسيع نفوذها.
ومن ثم، فإن مواجهة الإرهاب اليوم لم تعد معركة أمنية منفردة، بل أصبحت معركة شاملة تتداخل فيها الأمن والتنمية والتعليم وحقوق الإنسان والعدالة ومواجهة خطاب الكراهية والتعاون الدولي.
مصر.. مكافحة الإرهاب وحماية الدولة والمجتمع
وتبرز التجربة المصرية في هذا السياق باعتبار أن مواجهة الإرهاب ارتبطت خلال السنوات الماضية بحماية مؤسسات الدولة والمجتمع، وتجفيف منابع تمويل التنظيمات الإرهابية، ومواجهة الفكر المتطرف، بالتوازي مع برامج التنمية التي تستهدف معالجة بعض الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تستغلها التنظيمات المتطرفة في عمليات التجنيد والاستقطاب.
ويؤكد الإطار الأممي ذاته أهمية النظر إلى مكافحة الإرهاب باعتبارها مسؤولية مشتركة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الإنسان وسيادة القانون، وهو ما يجعل حماية الضحايا جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية ناجحة لمواجهة الإرهاب.
وفي النهاية، يظل 21 أغسطس أكثر من مجرد مناسبة لتذكر من فقدوا حياتهم في هجمات إرهابية؛ فهو تذكير بأن وراء كل عملية إرهابية إنسانًا فقد حياته، وأسرة فقدت عزيزًا، وناجيًا يحمل آثار التجربة لسنوات. كما أنه رسالة بأن مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد العمليات التي تم إحباطها، وإنما أيضًا بقدرة المجتمعات على حماية الإنسان، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار المأساة، وتحويل الألم إلى وعي، والذاكرة إلى قوة في مواجهة التطرف والعنف.