لم يكن الشاب صبحي شحتوت يعرف أن الحرب التي بدأت من حوله ستنتهي به وحيدا، والأيام التي كان يقضيها بين أفراد أسرته ستتحول إلى ذكريات، والوجوه التي اعتاد أن يراها كل صباح ستغيب واحدا تلو الآخر، حتى يصبح هو الناجي الأخير من عائلة دفعت ثمن العدوان من أرواح أفرادها.
في غزة، لا تأتي الخسارة دائما في لحظة واحدة، أحيانا تبدأ بفقدان شخص، ثم آخر، ثم تتوالى الأخبار الثقيلة، حتى يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة يصعب استيعابها، لم يعد هناك من ينتظر عودته إلى المنزل، ولا من يسأل عنه، ولا من يشاركه تفاصيل الحياة اليومية.
كانت أسرة صبحي شحتوت، مثل آلاف الأسر في غزة، تعيش حياتها وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب، وتحاول التمسك بما تبقى من تفاصيل الحياة، قبل أن تتحول الأسرة نفسها إلى قائمة من الأسماء والذكريات، ويصبح البيت الذي كان يجمع أفرادها شاهدا على غيابهم.

صبحي شحتوت
لم تكن قيمة الأسرة بالنسبة إلى صبحي مجرد اجتماع أشخاص تحت سقف واحد، بل كانت تمثل معنى الأمان والانتماء والسند، وفي ظل الحرب، يصبح وجود العائلة أكثر أهمية، لأن الإنسان في أوقات الخوف يبحث عن الوجوه التي يعرفها، وعن صوت يطمئنه، وعن يد تمتد إليه عندما يصبح كل شيء من حوله مضطربا، لكن الحرب أخذت منه هذا السند تدريجيا.
واحدا بعد آخر، ارتقى أفراد أسرته، حتى لم يبق لصبحي من عائلته سوى الذكريات، ومع كل فقد جديد، كان جزء آخر من حياته ينهار، إلى أن وجد نفسه أمام واقع لم يكن يتخيل يوما أنه سيعيشه، شاب يقف وحده بعدما فقد جميع أفراد أسرته الذين كانوا يشكلون عالمه الأقرب.
حين يصبح البيت مليئا بالغياب
أقسى ما في فقدان الأسرة ليس لحظة تلقي الخبر وحدها، وإنما ما يأتي بعدها، فالأماكن التي كانت تحمل أصوات أفراد العائلة تصبح صامتة، والأشياء الصغيرة التي تركوها وراءهم تتحول إلى تذكير دائم بهم، كرسي كان يجلس عليه أحدهم، قطعة ملابس، صورة، أو حتى مكان اعتاد أحد أفراد الأسرة أن يقف فيه، كلها تتحول إلى تفاصيل تحمل ذاكرة أشخاص لم يعودوا موجودين.
بالنسبة إلى صبحي، لم تعد فكرة العودة إلى البيت كما كانت من قبل، فالبيت من دون الأسرة لا يحمل المعنى نفسه، والجدران التي كانت تجمع أفراد العائلة أصبحت شاهدة على غيابهم.
عائلة صبحى شحتوت
وفي غزة، حيث يعيش الناجون وسط الركام والنزوح والخوف، لا يملك الإنسان دائما فرصة للحزن كما ينبغي، هناك احتياجات يومية لا تتوقف، ومخاطر مستمرة، وظروف قاسية تجبر الناجين على التفكير في كيفية مواصلة اليوم، حتى عندما يكون ما بداخلهم أثقل من قدرتهم على الاحتمال.
الناجي الأخير
أن ينجو الإنسان من الحرب لا يعني بالضرورة أنه خرج منها سالما، فهناك خسائر لا تظهر في الصور، ولا يمكن قياسها بالأرقام، من بينها أن يفقد الإنسان أسرته كاملة، ويجد نفسه مضطرا إلى مواصلة الحياة من دون الأشخاص الذين كانت حياته مرتبطة بهم.
صبحي شحتوت واحد من هؤلاء الذين لم تترك لهم الحرب سوى ذاكرة ثقيلة، فقد نجا جسده، لكنه فقد الأشخاص الذين كانوا يمثلون له معنى الحياة اليومية والأسرة والوطن والبيت، ولهذا فإن قصته لا يمكن اختصارها في عبارة "ناج من الحرب"، لأن نجاته جاءت محملة بفقد كامل، وبوحدة لم يخترها، وبذكريات أصبحت الشيء الأثمن والأكثر إيلاما في الوقت نفسه.
من نحن إلى أنا
قبل الحرب، كانت الأسرة تعني كلمة "نحن"، أما بعد فقدان جميع أفرادها، فأصبح صبحي مضطرا إلى مواجهة الحياة بكلمة "أنا"، هذا التحول القاسي يختصر جانبا من المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب في غزة، فالأرقام تتحدث عن الضحايا والمصابين والنازحين والمنازل المدمرة، لكن خلف كل رقم عائلة، وخلف كل عائلة حكاية، وخلف كل ناج أحيانا أشخاص لم يبق منهم سوى أسمائهم وصورهم وذكرياتهم.
صبحي لم يخسر أشخاصا فقط، بل خسر شبكة كاملة من العلاقات التي كان يستند إليها، خسر من يشاركونه أفراحه وأحزانه، ومن يعرفون تفاصيله الصغيرة، ومن كان يستطيع أن يعود إليهم عندما تضيق به الحياة.
لم يبق سوى الحكاية
في قصص الحروب، غالبا ما تكون النجاة هي النهاية التي ينتظرها الجميع، لكن قصة صبحي تكشف وجها آخر للنجاة، فقد نجا من الموت لبعض الوقت، لكنه لم ينج من الفقد، حيث انتهت نجاته نفسها، كان الناجي الأخير، ثم أصبح شهيدا، لتتحول قصته من حكاية شاب فقد أسرته إلى قصة أسرة كاملة لم يبق منها أحد.
وبين لحظة فقد العائلة ولحظة رحيل صبحي، اختصر الشاب وحده مأساة الحرب في غزة، أن يفقد الإنسان كل من يحب، ثم لا يجد الوقت حتى ليحمل ذكراهم طويلا.
عائلة غابت بأكملها
لا يمكن النظر إلى قصة صبحي باعتبارها قصة شخص واحد فقط، فهي حكاية عائلة كاملة انتهت حياتها في الحرب، الأرقام قد تسجل عدد الضحايا، لكنها لا تستطيع أن تسجل معنى أن تختفي أسرة بأكملها، ولا أن تشرح ماذا يعني أن يصبح أحد أفرادها الناجي الوحيد، ثم يلحق بمن سبقوه.
وراء كل اسم في قوائم الضحايا حياة كاملة، ووراء كل عائلة فقدت أفرادها عشرات التفاصيل التي لا يعرفها إلا المقربون منهم، أما عائلة صبحي، فقد خسرت حتى ذلك الشخص الذي كان يمكنه أن يحمل تفاصيلها إلى المستقبل.
رحل صبحي بعدما كان آخر من بقي، تاركا خلفه حكاية عائلة لم يعد لها شاهد حي، كان الناجي الوحيد من أسرته، ثم أصبح واحدا منهم، رحل أفراد عائلته واحدا تلو الآخر، وبقي هو ليحمل وجعهم وذكرياتهم، قبل أن تلحق به الحرب بهم جميعا، في واحدة من أكثر صور الفقد قسوة.