محمد الطماوى

كيف تحولت القاهرة إلى مركز الثقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط؟

الخميس، 28 مايو 2026 12:00 ص


في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها أو قدراتها الاقتصادية، وإنما بقدرتها على فهم حركة الزمن السياسي، وإدارة التناقضات الدولية دون السقوط في فخ الاستنزاف أو التبعية، ومن هذه الزاوية تحديدا، يمكن قراءة التحول الذي شهدته مصر خلال العقد الأخير؛ إذ لم تعد القاهرة مجرد دولة إقليمية تسعى لحماية حدودها، بل تحولت تدريجيا إلى مركز توازن استراتيجي في منطقة تعاد صياغة خرائط النفوذ فيها بصورة شبه يومية.

فالشرق الأوسط منذ عام 2011 لم يعد الإقليم ذاته، لقد دخلت المنطقة مرحلة السيولة الجيوسياسية، حيث انهارت أنظمة، وتفككت جيوش وطنية، وظهرت فواعل ما دون الدولة، وتصاعدت الحروب بالوكالة، فيما أعادت القوى الدولية الكبرى توزيع أدوات نفوذها وفق منطق جديد يقوم على التحكم في الممرات البحرية والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية أكثر من السيطرة العسكرية التقليدية.

في قلب هذه الفوضى، أدركت مصر وقواتها المسلحة مبكرا أن أخطر ما يهدد الدولة الوطنية ليس فقط الإرهاب أو التهديد العسكري المباشر، وإنما انهيار التوازن الإقليمي نفسه، ولذلك تبنت القاهرة منذ 2014 استراتيجية متعددة الأبعاد تقوم على إعادة بناء الداخل اقتصاديا وأمنيا، بالتوازي مع هندسة شبكة معقدة من العلاقات الإقليمية والدولية تمنع عزلتها وتحافظ على قدرتها على المناورة.


هذه المقاربة المصرية تختلف جذريا عن نماذج القوة التقليدية في المنطقة، فالقاهرة لا تتحرك بمنطق الدولة الوظيفية التابعة لمحور دولي، ولا بمنطق الدولة الأيديولوجية التي تدير السياسة بالشعارات، بل بمنطق الدولة الحضارية التي تدرك أن البقاء في القرن الحادي والعشرين مرهون بامتلاك القدرة على إدارة التوازنات لا كسرها.

تكشف الأرقام عمق هذا التحول، فحين واجه العالم أزمة جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية وأخيرا اضطرابات البحر الأحمر، كانت مصر أمام واحدة من أعقد البيئات الاقتصادية عالميا؛ دولة تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها الغذائية والطاقة، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 107 ملايين نسمة، وتقع في قلب منطقة مشتعلة جيوسياسيًا، ومع ذلك، لم تنهر الدولة، بل تحركت عبر استراتيجية تقوم على تنويع مصادر التمويل والاستثمار والتحالفات الاقتصادية.
وتبرز هنا أهمية قناة السويس باعتبارها ليست مجرد ممر ملاحي، وإنما عقدة جيوسياسية في النظام الاقتصادي العالمي، فالقناة تمر عبرها سنويا تجارة تقدر بتريليونات الدولارات، كما تمثل شريانا رئيسيا لنقل النفط والغاز بين الشرق والغرب، وعندما تصاعدت التوترات في البحر الأحمر منذ أواخر 2023، وتراجعت حركة الملاحة نتيجة استهداف السفن، لم تكن الخسارة مصرية فقط، بل أصابت بنية التجارة العالمية ذاتها، بعض التقديرات الدولية تحدثت عن ارتفاع تكاليف الشحن بما تجاوز 300% لبعض الخطوط، وزيادة زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا بنحو أسبوعين عند الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

من هنا يمكن فهم لماذا تتعامل القاهرة مع أمن البحر الأحمر والخليج باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، فالمعادلة بالنسبة لمصر ليست عاطفية أو خطابية، وإنما ترتبط بحسابات الأمن الاقتصادي العالمي ذاته، ولذلك دعمت القاهرة بشكل واضح استقرار دول الخليج العربي، ليس فقط انطلاقا من الروابط السياسية والتاريخية، وإنما لأن أي اضطراب حاد في الخليج يعني تهديدا مباشرا للطاقة والتجارة والاستثمار والتحويلات المالية التي تشكل جزءًا أساسيًا من توازن الاقتصاد الإقليمي.

لكن القوة المصرية لم تُبن على الجغرافيا فقط، بل على إعادة تشكيل أدوات الدولة الصلبة والناعمة معا، فعسكريا، ووفق تصنيفات عسكرية دولية، أصبحت مصر ضمن أقوى الجيوش في الشرق الأوسط وإفريقيا، مع امتلاكها واحدة من أكبر القوات البحرية في المنطقة، غير أن اللافت أن القاهرة لم تستخدم هذه القوة بمنطق التوسع أو المغامرة، وإنما بمنطق الردع الاستراتيجي.

وهنا يظهر الفارق بين الدولة التي تسعى لإنتاج النفوذ عبر الفوضى، والدولة التي تسعى لإنتاج الاستقرار عبر التوازن، ولذلك كانت الرسائل العسكرية المصرية دائما مرتبطة بحماية الأمن القومي ومنع انهيار المجال الإقليمي المحيط، كما حدث في الملف الليبي عندما أعلنت القاهرة أن خط سرت الجفرة يمثل خطا أحمر للأمن القومي المصري.

كما بنت مصر نموذجا يمكن وصفه بـالدبلوماسية الهادئة عالية التأثير، فالقاهرة لا تعتمد على الصخب الإعلامي أو الاستعراض السياسي، بل على بناء مساحات تفاوض معقدة تسمح لها بالحفاظ على قنوات اتصال مع قوى متناقضة في المصالح، إنها تتحدث مع واشنطن وموسكو وبكين وأوروبا والخليج وأفريقيا في الوقت نفسه، دون أن تتحول إلى أداة كاملة في يد أي طرف.

هذه السياسة منحت مصر قدرة نادرة على لعب أدوار الوساطة في ملفات شديدة التعقيد، خاصة القضية الفلسطينية، فمنذ اندلاع حرب غزة بعد عملية عملية طوفان الأقصى، أصبحت القاهرة مركزًا رئيسيًا للمفاوضات السياسية والإنسانية، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل لأن مختلف الأطراف تدرك أن أي ترتيبات تخص غزة أو الحدود أو التهدئة لا يمكن أن تتجاوز الدور المصري.

تدرك الدولة المصرية أن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس فقط الحروب التقليدية، وإنما مشروع تفكيك الدولة الوطنية لصالح كيانات هشة وطائفية ومليشياوية، ولهذا تتمسك القاهرة بفكرة الدولة المركزية ومؤسساتها الوطنية، حتى وإن اختلفت مع بعض الأنظمة، لأنها ترى أن البديل عن الدولة ليس الديمقراطية بالضرورة، بل الفوضى الشاملة.

ما تفعله مصر اليوم يتجاوز مجرد إدارة سياسة خارجية؛ إنه محاولة لإعادة تعريف مفهوم القوة في الشرق الأوسط، فالقوة لم تعد تعني فقط امتلاك السلاح، بل امتلاك القدرة على منع الانهيار، وتأمين الممرات الدولية، وضبط التوازنات، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة في منطقة تعيش على حافة الاشتعال الدائم، ولهذا أصبحت القاهرة، رغم أزماتها الاقتصادية وتعقيدات محيطها الإقليمي، واحدة من الدول القليلة القادرة على التحرك بين المحاور دون أن تفقد هويتها الاستراتيجية، إنها تمارس سياسة التموضع الذكي في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، وتدرك أن البقاء ليس للأكثر صخبا، بل للأكثر قدرة على قراءة التحولات وإدارة التوازنات التاريخية الكبرى




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة