في ظل انطلاق الجمهورية الجديدة ووفقاً لرؤية مصر 2030، وضعت الدولة المصرية ملف "توطين الصناعة" على رأس أولوياتها كعنصر حاكم لدعم الاقتصاد القومي، وفي هذا السياق، كشف الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، عن خطة الوزارة الطموحة لتحويل مصر من دولة مستوردة لتكنولوجيا النقل إلى قلعة صناعية كبرى تُصدر للعالم، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعم التنمية الشاملة وتعزيز قيم الإنتاج والعمل.
التحدي الأكبر: تنفيذ المشروعات بالتوازي مع بناء القواعد الصناعية
كشف الفريق كامل الوزير عن كواليس التخطيط للنهوض بقطاع النقل، حيث بلغت تكلفة مشروعات الخطة الإجمالية 2 تريليون جنيه، كان المكون الأجنبي منها يمثل حوالي 30 مليار دولار.
وأكد الوزير أن القيادة السياسية اختارت المسار الأصعب والأكثر استدامة، وهو البدء في تنفيذ المشروعات بالتوازي مع بناء المصانع الوطنية، لضمان الاستعانة بالمنتج المحلي فور خروجه من خطوط الإنتاج، بدلاً من تأجيل التنمية لحين اكتمال قاعدة التصنيع.
ثمار التوطين: تخفيض المكون الأجنبي بنسبة 50% في مشروعات المترو
استعرض الوزير مثالاً واقعياً لنجاح هذه السياسة في مشروع "مترو الإسكندرية" (أبو قير - محطة مصر)، حيث أدى الاعتماد على مصانع "السويس للصلب" للقضبان، و"فويست ألبين" للمفاتيح، و"نيرك" للوحدات المتحركة، إلى تقليص المكون الأجنبي من 1.5 مليار يورو إلى 766 مليون يورو فقط، وهو ما وفر نحو 734 مليون يورو (حوالي 50% من التمويل الخارجي)، سيتم توجيهها لتنفيذ المراحل التالية من المشروع.
خريطة القلاع الصناعية للسكك الحديدية والجر الكهربائي
أوضح الوزير أن مصر نجحت بالفعل في توطين صناعات استراتيجية، منها: القضبان والفلنكات: إنتاج 135 ألف طن قضبان سنوياً بمصنع السويس للصلب، و1.8 مليون فلنكة خرسانية عبر 6 مصانع وطنية، مما يوفر مئات الملايين من اليورو سنوياً.
مفاتيح التحويلات: إنتاج 600 مفتاح سنوياً بمصنع "فويست ألبين" بالعباسية، بوفير يصل لـ 45 مليون يورو.
عربات الركاب والبضائع: إنتاج 600 عربة متنوعة سنوياً بمصنع "سيماف"، والتعاقد على توريد 1000 عربة بضائع و73 عربة قوى.
أنظمة الإشارات والوحدات المتحركة: إنشاء مجمع "ألستوم" ببرج العرب ومصنع "نيرك" بشرق بورسعيد، لتدبير احتياجات الخط السادس للمترو والقطار السريع.
توطين صناعات الطرق والكباري بأيادٍ مصرية
لم يقتصر التوطين على السكك الحديدية، بل امتد لقطاع الطرق والكبارى عبر تصنيع العلامات المرورية واللوحات الإرشادية بمصنع هيئة الطرق، وإنتاج البويات والمستحلبات الأسفلتية بمصانع وطنية، بالإضافة إلى إنتاج ركائز وفواصل الكباري ونظم تسليح التربة، مما جعل مصر تكتفي ذاتياً في مكونات تشييد الطرق الحديثة.
السيادة البحرية والنهرية: تصنيع القاطرات والسفن التجارية
في قطاع النقل البحري والنهري، أشار الوزير إلى تصنيع الوحدات البحرية (قاطرات ولنشات) بقوة شد تصل لـ 90 طناً، وتصنيع سفن نقل بضائع بحمولات تصل لـ 10 آلاف طن بالترسانات الوطنية (قناة السويس، ترسانة الإسكندرية، المقاولون العرب). كما تم التوسع في تصنيع الفنادق العائمة والأتوبيس والتاكسي النهري، والاعتماد على صلب "حديد عز" في صناعة أبدان السفن.
ثورة الأتوبيسات الكهربائية ومستقبل النقل العام
أعلن الوزير عن إنشاء 5 مصانع وطنية عملاقة (مثل MCV، الجيوشي، والنصر للسيارات) لإنتاج الأتوبيسات والميني باصات. وتم التعاقد على توريد 1500 أتوبيس، وجاري الاتفاق على تصنيع 2000 أتوبيس كهربائي بالكامل (شاملاً البطارية)، لاستخدامها في منظومات النقل الحديثة مثل "الأتوبيس الترددي BRT" وربط المدن الجديدة بوسائل الجر الكهربائي كالمونوريل والقطار الخفيف.
الهدف النهائي: وفر 10 مليارات دولار والتصدير للخارج
وأكد الفريق كامل الوزير، أن الهدف النهائي من هذه الملحمة الصناعية هو توفير ما قيمته 10 مليارات دولار من المكون الأجنبي في خطة الوزارة، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي رائد للتصدير للأسواق الأفريقية والشرق أوسطية، مؤكداً أن يد مصر التي تبني وعقلها الذي يبدع هما الضمانة الحقيقية لتحقيق النهضة الاقتصادية المستدامة.