إسلام بحيرى

مناظرة ساخنة بين صفوت عبد الغنى عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية وإسلام بحيرى الباحث السياسى حول الدولة الدينية والمدنية والمبادئ فوق الدستورية وأسباب تراجع الجماعة عن فتوى تحريم العمل الحزبى

الإثنين، 29 أغسطس 2011 - 13:46

محمود سعد الدين - تصوير محمد نبيل

جرت مناظرة بين الدكتور صفوت عبد الغنى عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية ووكيل مؤسسى حزب البناء والتنمية والدكتور والباحث الإسلامى إسلام بحيرى عن الدولة الدينية والدولة المدنية والمبادئ الأساسية لقيام كل منهما.

المناظرة جاءت على هامش الندوة التى عقدتها "اليوم السابع " لـ 8 من قيادات الجماعة الإسلامية على رأسهم حمدى حسن، وعزت السلامونى ومحمد حسان، وإسلام الغمرى بمناسبة تقديم أوراق الحزب الجديد إلى لجنة شئون الأحزاب ومن ثم المشاركة رسميا فى الحياة السياسية المصرية والانخراط وسط الفصائل المختلفة.

تضمنت المناظرة نقاشا جادا بين عبد الغنى وبحيرى حول المبادئ فوى الدستورية ومفهوم الدولة فى الإسلام والضمانات التى تقدمها الجماعة الإسلامية للشعب المصرى فى حال السيطرة على الحكم وكذلك جوانب فكرية أخرى تتعلق بعقيدة الجماعة الإسلامية ودخولها الحياة السياسية فى الوقت الحالى بعد سنوات طويلة من المقاطعة على خلفية فتوى لتحريم العمل الحزبى وكذلك قضية الشريعة الإسلامية والمطالبات، فضلا عن نظرتهم للمرأة والأقباط وصندوق الانتخابات الذى التزموا بتنفيذ نتيجته حتى لو كان مخالفا لعقيدتهم الأساسية.


**إسلام بحيرى: كيف عادت الجماعة الإسلامية عن تحريم العمل الحزبى والسياسى وما الذى تغير فى المرجعية الدينية لكى يصبح العمل السياسى والحزبى مباحا؟
_ صفوت عبد الغنى: الدخول إلى مجلس الشعب أو المجالس التشريعية فى النظام السابق كان من المستحيلات، لذلك صدرت الفتاوى التى تحرم العمل السياسى طالما أن إمكانية التغيير كانت مستحيلة؟

**إسلام بحيرى: هل تقول إن فتاوى تحريم العمل السياسى فى الجماعة الإسلامية كانت فقط لأن آليات الدخول إلى مجلس الشعب كانت مستحيلة؟
- صفوت عبدالغنى: بالطبع لأن الفتاوى لها ركنان، النص والواقع، وكان الواقع مستحيلا.

** إسلام بجيرى: ولكن يا دكتور صفوت ما أنا متأكد منه ودرسه الجميع أن مناط التحريم فى هذه الفتاوى كانت مناطا مختلفا تماما عما تقول لأن التحريم كان يستند لنصوص دينية وليس الواقع؟
- صفوت عبد الغنى: أقول لك إنى ممنوع من الدخول للمجالس التشريعية وإذا حاولت كان سيقصينى التزوير ولذلك صدرت هذه الفتاوى.

** إسلام بحيرى: ولكن ما تقوله يستوجب الامتناع عن المشاركة فقط وليس إصدار فتاوى بالتحريم بمعنى أن التحريم لم يكن أبدا يوما لذلك السبب بل كان التحريم واضحا منكم لكل العملية الديمقراطية برمتها، رغم أن هذه الديمقراطية هى التى أصلت قيادات الجماعة الإسلامية أن يتحاوروا معنا الآن فى مقر "اليوم السابع" ؟
تدخل الدكتور محمد حسان: كنا نرى أيضا أن مشاركتنا فى الديمقراطية المزيفة قد تدعم النظام السابق وتعطيه الشرعية.

** إسلام بحيرى: وهل مجرد المشاركة كانت تمثل دعما للنظام السابق؟
- محمد حسان: كنا سنصبح داعمين للقمع بالنسبة للنظام السابق.

تدخل حمدى حسن القيادى بالجماعة: كانت الفتوى مبنية على الواقع والآن تغير الواقع .

** إسلام بحيرى: ولكن أين النص الذى حرم العمل ثم أباحه أين ذهب هذا النص؟ لأن العلة تدور مع الحكم وجودا وعدما ومازالت العلة قائمة للآن فلماذا تغيرت الفتوى؟
- حمدى حسن: مجلس الشعب كان لا يمتلك آلية فعل أى شىء لصالح الشريعة، وكان من يتكلم عن الشريعة والدين يهان تحت القبة.

** إسلام بحيرى: هل تعطينى مثالا واحدا على إهانة الشريعة تحت قبة البرلمان؟
- حمدى حسن: أى كلام عن النواحى الشرعية كان الشرع يهان بل كان هناك 88 برلمانيا يتكلم عن الإسلام وكان يهان الشرع.

**إسلام بحيرى: أعيد عليك السؤال قلت لك إضرب لى مثلا واحدا على إهانة الشرع تحت قبة البرلمان؟
-حمدى حسن: مثل مشروع الدكتور صوفى أبوطالب.

**إسلام بحيرى: أولا لم يكن هناك أى إهانة للشرع فأين هى؟ ثم إنى قرأت بنفسى مشروع تقنين الشريعة الذى يخص الدكتور صوفى أبو طالب، فى منزله بمنطقة المعادى ولم أجد فيه شيئا يختلف عما نطبقه الآن من القوانين بل كل الاختلاف شكلى لا أكثر، فأين إهانة الشرع؟ سأسالك سؤالا واضحا فيما كان يعترض الدكتور يوسف قاسم على قانون ما سمى قانون جيهان السادات؟
-قيادات الجماعة: كان الاعتراض على بنود فى القانون.

**إسلام بحيرى: نعم كان قانون المرأة.. إذن هل تذكرون فيما كان الاعتراض بالتحديد؟ أو بمعنى آخر ما الذى صدر بالتحديد فى هذا القانون يخالف الشرع؟ لأن هذه النقطة ستوصلنا لما نريده فى هذه المناقشة تحديدا؟ يعنى مثلا الدعوة السلفية فى الإسكندرية على لسان المتحدث باسمها عبد المنعم الشحات تسمى قانون الختان باسم قانون سوزان، فهل فهم الشريعة أصبح فهم السلفيين فقط؟ وإذا خالف فهمهم فهم آخر يصبح عدوا للشريعة؟ وهل إذا وقف أحد من الإسلاميين تحت القبة مطالبا بإباحة ختان الإناث ثم وقف واحد من الصف الآخر ومؤهل علميا وأكاديميا وأعطى الأدلة الشرعية التى تؤكد أن ختان الإناث هى جريمة مكتملة الأركان، وأنها لم تثبت بأى نص صحيح فى الدين بل إن النبى بذاته لم يثبت أنه قد ختن بناته الأربع فمن فى الرأيين يمثل الشرع؟
-حمدى حسن: الشرع من معه الدليل.

**إسلام بحيرى: وإذا كان الطرفان يمتلكان أدلة شرعية؟
-حمدى حسن: يحكم العلماء.

**إسلام بحيرى: ومن العلماء الذين ترتضيهم الجماعة الإسلامية؟
-صفوت عبد الغنى: الذى يحسم فى النهاية الحاكم لأنه إذا رجح القول فى مسألة أخذنا بها ولكن الحاكم الآن لم يصبح عالما ولذلك أقول إن مجلس الشعب هو الذى يحدد.

**إسلام بحيرى: وهل تعتبر بذلك أن الرأيين معتبران فى الشريعة.
- صفوت عبد الغنى: لا أريد أن أدخل فى موضوع الرأى المعتبر أو غيره.

**إسلام بحيرى: هل تعتبر مثلا أن تحديد سن زواج الإناث بثمانية عشر عاما رأيا معتبرا كما نريد نحن أم أنك تعتبره خارجا عن الشريعة؟

-صفوت عبد الغنى: لا أحب الدخول فى جدل فقهى الآن.

**إسلام بحيرى: الجدل الفقهى يجب أن يحدث لأنه ما سيحدث تحت القبة؟
-صفوت عبد الغنى: إذا كانت الأغلبية فى المجلس اختارت ما يخالف رأينا وكان المجلس مجلسا شرعيا فسنلتزم به ولكن سنحاول التغيير أيضا, ولكن لا أستطيع أن أقول أن نؤجل تطبيق الشريعة كلها لأن المتجمع غير مؤهل ولكن هناك أشياء حالة يجب تطبيقها الآن فمثلا النظام السياسى فى الإسلام لا يمكن تأجيله ونقول ساعتها نطبق العلمانية حتى نؤهل المجتمع لأن الإسلام دين ودولة.

**إسلام بحيرى: إذن نصل للسؤال الذى أريده..ما الذى تراه الجماعة الإسلامية تحديدا منقوصا فى تطبيق الشريعة حتى الآن وتريد تطبيقه؟
-صفوت عبد الغنى: الشريعة هى عقيدة وشريعة ومعاملات وهناك قوانين مثل المرور لن تتغير.

**إسلام بحيرى: ما الذى تريد تطبيقه من الشريعة وتراه لم يطبق؟
-صفوت عبد الغنى: نحن نريد دولة غير علمانية لأن الدولة العمانية تتعامل بالمذهب النفعى ونحن نريد دولة تتعامل بالشقين الدنيوى والأخروى، مثل أن رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية مثل ما له اختصاصات دنيوية لها اختصاصات دينية تنظم العمل من خلال نظرة الإسلام للنظام السياسى والنظام الاقتصادى مثل الربا وعدم الغرر.

**إسلام بحيرى: وهل النظام الاقتصادى الحالى فى نظركم هو ربوى؟
-صفوت عبد الغنى: نعم ربوى والدليل هو الأزمة المالية العالمية، وما أقصده هو أن الإسلام يجب أن يحكم فى النظامين السياسى والاقتصادى.

ويتدخل محمد حسان: التيار العلمانى إذا ترك له المجال سيتكلم عن تحديد تعدد الزوجات وأكثر من ذلك فالتيار العلمانى أيضا يحاول طمس الدين.

**إسلام بحيرى: إذن ما تقوله يؤدى بنا لما نريده نحن، أنت الآن تتكلم عن الصندوق لو جاء بالإسلاميين وتتخوف من التيار العلمانى وهو ما يؤكد أننا فى أمس الحاجة للمبادئ الحاكمة للدستور التى ترفضونها أنتم لأننا يجب أن نتخيل له أن الصندوق بعد أن جاء بالإسلاميين جاء بعد أربع سنوات بتيار شديد العلمانية من الممكن أن يغير معه كل مفاهيم الدولة وساعتها يجب أن يرضخ الإسلاميون لأنهم ارتضوا من البداية لعبة الصندوق وهكذا سنرى مصر دولة جديدة كل أربع سنوات دولة بلا هوية وهو ما يؤكد احتياجنا للمبادئ الحاكمة للدستور ضمانا لهوية مصر ليس من الإسلاميين فقط ولكن من كل التيارات التى يمكن أن تحكم يوما، ثم إنكم قلتم منذ قليل قد قبلتم كل مبادئ المدنية من الديمقراطية والصندوق ثم اعترضتم على كلمة المدنية فى وثيقة الأزهر؟

-حمدى حسن: ومن قال إن الهوية يمكن أن تتغير؟
**إسلام بحيرى: سأعطى لك مثالا حيا فى الانتخابات الفرنسية قبل الأخيرة ونعرف جميعا أن فرنسا هى الدولة ذات الهوية العلمانية التى تعطى أكبر قدر من الحريات للفرد فى أوروبا، ولكن عندما تقدم جان مارى لوبان للانتخابات وهو يمينى فى أقصى اليمين ويرى أن النازحين والمجنسين من البلدان الأخرى عربا أو أفارقة أو حتى يهود يحب أن يغادوا ويرحلوا من فرنسا لأنهم احتلوها، وعندما تقدم مثل ذلك الرجل للانتخابات رفعت دعاوى قضائية عديدة لمنعه من التقدم خشية أن يصل للنجاح لأنه ليس مسموحا له بالنجاح رغم أن الديمقراطية وقيمها لا ترجح ذلك ولكن فرنسا أدركت أن الديمقراطية لا يجب مهما كانت دولة الحريات أن تأتى بمن يغير هوية الدولة ويقلبها رأسا على عقب، ولذلك هناك فى فرنسا مبادئ لا يمكن أن تتغير أمام هوية وأفكار كل رئيس لها, وكذلك الحال فى ألمانيا التى أقرت مبادئ فوق دستورية تمنع وصول من يؤمنون بالأفكار النازية حتى الآن ممن يسمون بالنازيين الجدد الذين يمكن لهم حسب آليات الديمقراطية أن يصلوا للحكم، ولكن هذه الديمقراطيات العريقة كفرنسا وألمانيا تقول إن الديمقراطية ليس أداة توصل كل من أراد حتى لو كان سيدمر الدولة وهويتها لذلك ظهرت فكرة المبادئ فوق الدستورية وهذا ما يجب أن نفعله فى مصر خشية طمس الهوية المدنية لها.

-محمد حسان: من الذى وضع تلك المبادئ؟
**إسلام بحيرى: لجنة تأسيسية من كل طوائف الشعب ليضمنوا هويتها ومن الممكن أن تضعها الدولة بدون استفتاء.
-عزت السلامونى: إذن ما تقوله يساعد الإسلاميين لأن هوية مصر إسلامية؟
**إسلام بحيرى: ومن ينكر هوية مصر الإسلامية؟ ولكن ذلك لا يمنع أن يأتى كل أربع سنوات من يطبق قوانين وتفصيلات توافق هويته وأفكاره وتضيع الهوية المصرية؟

-صفوت عبد الغنى: أيضا أريد أن أقول إن ذلك لا يقاس على الدولة الإسلامية لأن المسيحية تسمح بذلك لأن العلمانية كانت معادية لظلم الكنسية الأوروبية ونحن نوافق على الوثيقة الحاكمة ولكن على ألا تكون بالفرض ولكن تكون بالاستفتاء.

**إسلام بحيرى: إذن أنتم توافقون على الوثيقة ولكن بالاستفتاء، إذن هذا انتصار عظيم وأريد أن يسجل ذلك الكلام كرأى رسمى للجماعة الإسلامية.

صفوت عبد الغني: لكنى ما زلت أرفض الدولة المدنية بمعناها العلمانى.

**إسلام بحيرى: إذن نحن نحتاج إلى وضع تعريفات محددة للمدنية والعلمانية لأنه لا يمكن أن نتحارب حول مصطلحات غامضة.. فالعلمانية غير المدنية وحتى الدول العلمانية لها خصائص مختلفة فالولايات المتحدة مثلا دولة علمانية ولكن مازال رئيسها يقسم على الإنجيل ومعنى ذلك أن العلمانية بمفهومها الكامل ما تزال منقوصة فى أمريكا.

-صفوت عبد الغني: لا يوجد دولة بلا عقيدة.

**إسلام بحيرى: نعم وحتى لو كانت الشيوعية أو الماركسية فهى عقيدة تؤمن بها الدولة إذن العلمانية الكاملة حتى فى أوروبا غير موجودة ومن هنا نصل للب الموضوع أو ما يعرف فى لغة الفقه بتحرير محل النزاع.. ما هى الدولة المدنية فى نظر الجماعة؟

-صفوت عبد الغنى: فى لقاء مع الدكتور هالة مصطفى قالت بالنص إن المدنية هى العلمانية.


**إسلام بحيرى: هذا رأى الدكتورة هالة ولكن حتى فى الفقه نأخذ بالإجماع ولذلك فإن آراء أكاديميين كثر غير ذلك وتعالوا نلتجأ للدكتور عبد الوهاب المسيرى رحمه الله عندما فرق بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وتعالوا نضع تعريفا أكاديميا محدددا لمعنى الدولة المدنية فى مصر لكى لا نختلف على ما لا يفهمه الجميع، وأنتم تعرفون أن العلمانية ذاتها كمصطلح إلى الآن لم يستقر على مفهوم واحد لها هل هى رجل العالم على عكس رجل الدين أم أنها من العلم أم أنها فصل الدين عن الدولة، ولذلك فأنا أرى أنا هناك فوضى مصطلحات وأغلب من يتكلم للأسف لا يفهم المصطلحات.

-صفوت عبد الغنى: هكذا قيل لنا إن من يقول دولة مدنية هو يقصد دولة علمانية.

**إسلام بحيرى: غير صحيح هذه يذكرنى بما فعل الخليفة عمر بن الخطاب عندما رفض قوم دفع الجزية لأجل أن اسمها الجزية فقط وقالوا له اجعلها الصدقة فوافق وقال بعد أن مضوا هؤلاء قوم لا يفقهون ردوا المعنى للجزية وأبوا ورفضوا الاسم فقط، ولذلك فإن الأسماء أعراض زائلة لذا يجب أن نفهم المصطلحات من خلال معناها الحقيقى وليس أسماء فقط وأستطيع أن أؤكد لك أن هناك فرقا كبيرا من الناحية الأكاديمية بين العلمانية والمدنية.

-صفوت عبد الغنى: فرج فوده هو الذى جعل الدولة المدنية نقيض الدولة الدينية أو الإسلامية فى مناظرة معرض الكتاب فى التسعينات.

**إسلام بحيرى: نعم لأن فرج فودة كان يناظره الشيخ محمد الغزالى حينها وكان يريد أن يخالف فكر معين أو نظرة معينة للإسلام وليس الإسلام ذاته ونستطيع نحن أن نؤسس حوارا وطنيا كبيرا كما فعل الفرنسيون قبل وضع دستور الجمهورية الخامسة حينما أقاموا حوارا وطنيا قبل وضع الدستور، ونحن نستطيع أن نقيم حوارا طويلا من كل الطوائف والتيارات فى مصر قبل الوثيقة الحاكمة، ومن هنا نصل للنقطة التى أثارها الدكتور صفوت والأستاذ عزت السلامونى حول النظام السياسى الإسلامى ودعونى أقول إن النبى لم يقم دولة بل كان رسولا وقائدا لأمة يثبت أركان الدين، ونحن إذا نظرنا لكل الكتب الإسلامية فيما قبل عام 1850 ميلادى لا نجد أثرا لكلمة دولة النبى ولكن هذا المصطلح ظهر بعد أن ظهرت الدولة الحديثة الأم بعد عصر النهضة الأوروبى فلم يجد الفقهاء الذين شغلهم الفقه الضيق عن التقدم بالعقول المسلمة إلى الأمام فلم يجدوا أمام الهزيمة الثقافية إلا أن يقولوا إن النبى منذ القدم قد أسس دولة وذلك غير حقيقى لأن الدولة الحديثة بمعناه المدنى لا يمكن أن نضع حدودها وخصائصها على الأمة التى بناها النبى مؤيدا بالوحى من السماء لذلك لأن الإسلام دين وهو أعظم من الدولة ولكن ليس بديلا عنها بل هو جزء أصيل فى تكوينها وصنع هويتها ولكن ليس هو الدولة بذاتها, وبالمناسبة أيضا فكلمة دولة كانت أداة طيعة لأعداء الفكرة الإسلامية لبث أفكار حول المطامع الدنيوية والقبلية فى حروب الإسلام الأولى, لذلك أؤكد لكم أن الدولة أبدا لم يقمها النبى رغم أن اللفظة كانت معروفة فى القرآن حيث يقول "لكى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" كمان أن أول شروط الدولة فى الإسلام كما تقول الآراء السلفية هى وجوب تنصيب الحاكم ولنرى ماذا فعل النبى فقد توفاه الله بدون أن ينصب حاكما وذلك بعيدا عن الروايات التى يتداولها الجانبان السنى والشيعى حول الخلاف على تنصيب أحد، ولكن الحقيقة أن النبى لم ينصب أحدا، وقد أراد أن يكتب كتابا وهو على فراش الموت ولكن قد حيل بينه وبين كتابته، إذن لو علم النبى أن تنصيب الحاكم واجب شرعى ما تركه دون أن يفعله وما حدث فى سقيفة بنى ساعدة يؤكد عدم وجود إشارة من النبى للحاكم، لأنه لو كان هناك ما اختلف الصحابة فى السقيفة.. لذلك أقول إن النبى أكبر من الحاكم لأنه نبى يوحى إليه، وإن الأمة أكبر من الدولة وعلى هذا وكما قلت الإسلام ليس بديلا عن الدولة ولكنه جزء أساسى من تركيبتها وهويتها.

-حمدى حسن: لقد أعطيت درسا فى التاريخ لنا عليه ألف تعليق، ويتدخل محمد حسان: كما أنك ذكرت أشياء نختلف معك فيها من الأساس.

تلك النقطة أثارت جدل واسعا بالمناظرة فقال حمدى حسن: أليست القاعدة الأصولية تقول ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟! أليس ذلك يوجب أن يكون هناك رأسا للدولة وقد تعلمت كل شىء فى الدولة من سنة النبى من تعامله مع غير المسلم، وأن الربا حرام وكيف أربى المرأة، وقال عزت السلاموني: نحن نعرف أن سنة الرسول قولا وفعلا وإقرارا ونحن يجب علينا الاقتداء بكل سننه التى أدار بها الشأن ما يسمى السياسة الشرعية ولذلك يجب الأخذ بها لأنها ثابتة، فيما قال إسلام الغمرى: كان النبى أيضا يأمر أن يؤمر واحدا على ثلاثة لو كانوا فى رحال فكيف لا يترك للدولة وقال أيضا عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى.

**إسلام بحيرى: بالمناسبة كاستطراد خارج السياق هذه الحديث المذكور "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" هو حديث ضعيف

-محمد حسان: الرسول كان حاكما ومن بعده الصحابة ومن بعد الدولة الأموية وصولا إلى الدولة العثمانية.

**إسلام بحيرى: بالمناسبة أنا لم أقل أنه لا يجب تنصيب حاكم ولكنى أقول إن الإسلام لم يحدد طريقة محددة لذلك التنصيب لأنه لا شأن له ولكن شأنه أن يكون الدين موجودا فى الدولة مهما كان شكل هذه الدولة فالإسلام دين يقبل ويتعايش مع كل أنظمة الدول وليس هو الدولة, وأعود إلى ذلك لنرى كيف تم اختيار الصحابة الراشدين فالأول فى السقيفة والخليفة الثانى بالاختيار المباشر من أبى بكر أما عثمان بن عفان فكان مرشحا من ستة من الصحابة وعلى بن أبى طالب أيضا ثم جاء معاوية بن أبى سفيان بالسيف وما بعده لا يجب أن يذكر لأنه لو قلنا إن الدولة الأموية أو العباسية التى بدأها أبو العباس السفاح هى دولة الإسلام فهذه مهانة كبرى للإسلام بالتأكيد لأن التطبيق غير النظرية، إذن الإسلام لم يحدد نظاما سياسيا لاختيار الحاكم وهو أكبر رأس للدولة.

-محمد حسان: وهذا من عظمة الدين ولعدم التضييق.

**إسلام بحيرى: إذن أن تقر بأن الإسلام يقبل كل الأشكال.. نصل هنا لما قاله الأستاذ عزت السلامونى إن سنة النبى فى الحكم هى السياسة الشرعية التى يجب أن نأخذ بها وهنا أقول له أن ذلك لا يمكن لأن الرسول كان رسولا قبل أن يحكم يقيم أحكامه على وحى يوحى له فأين لنا الحكام الآن الذى يوحى له، وأن أضرب مثالا صريحا حدث بعد وفاة النبى بشهور وهى حروب الردة فقد رأى أبو بكر الصديق أن يحارب من منعوا أداء الزكاة وتأولوا الآية التى تتحدث عن تطيهر النبى لهم فقالوا من كان يطهرنا قد توفى وهنا قال أبو بكر والله لو منعونى عقالا كا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه وكان يعارض رأى حربهم عمر بن الخطاب لأنه يرى أنهم مسلمون ينطقون الشهادة وهنا باختلاف أى ما أسفر عنه هذا الحدث ولكن إذا اختلف أبو بكر وعمر فى أمر كهذا ولم يكن هناك نصا حاكما يحدد ذلك ولكنه تأويل الصحابى الجليل أبو بكر الصديق فكيف نقول الإسلام ترك لنا دولة فها هو قرار من أخطر القرارت لم يوجه فيه أبو بكر لنص حاكم ولكنه لفهمه ولو كان هناك نص ما اختلف أبو بكر وعمر وكل منهم يمثل فهمه فمن منهم الإسلام، ورأيه، وهنا يتضح لأن الأمر السياسى لا علاقة له بنصوص الدين ولا بفعل الرسول الذى يوحى إليه وحتى لو قال عمر فى نهاية الرواية "فشرح الله صدرى لما قال أبو بكر" ولكنه لم يقل مثلا "فألزمنى الحجة " بمعنى أنه لا وجود لنص يحكم المسألة غير فهم وتقدير الحاكم وهو أمر مدنى بحت وليس دينيا.

-صفوت عبد الغنى: ولكن الإمام النووى قال فى خلاف أبى بكر وعمر أن فى ذلك دليلا على خفاء النصوص على العلماء.

**إسلام بحيرى: أنا قلت تفسير عمر بن الخطاب ذاته للأمر أنه شرح صدر وليس إلزام حجة فكيف أترك أصحاب الأمر وآخذ بكلام الإمام النووى ثم سأعرض عليكم أمرا آخر اختلف فيه أبو بكر وعمر ولم يتفقا وذلك فى واقعة الصحابى خالد بن الوليد عندما قتل مالك بن نويرة فرأى أبو بكر أن خالدا تأول ما فهمه من مالك على الذى يبيح قتله وقال لا أغمد سيفا أسله الله وقال عمر بن الخطاب لا بل عليه الحد القصاص الشرعى لأن عمر رأى فى ذلك أن خالدا لم يتأول ولكن رأى أبو كحاكم هو الذى طبق وهنا نجد أيضا أن الإسلام لم يترك نصا حاكما يدير به شأن مثل ذلك ولكنه رأى الحاكم بفهمه ولو كان هناك نصا ما اختلف أبو بكر وعمر ولم يتفقا ولذلك نجدد السؤال من منهم الإسلام والسؤال الأكبر لو وصل الإسلاميون للحكم واختلفوا كمثل ذلك الخلاف فكيف نعصم الدماء ساعتها من عقول من سيحكموا باسم الإسلام، وهنا أجدد القول إن الرسول يوحى إليه وليس حاكما عاديا ولو حتى خالف الرسول الشورى مثل صلح الحديبية التى عارضها جل الصحابة ولكن الرسول ذكرهم جميعا أنه رسول يوحى إليه ووقع الرسول صلح الحديبية الذى كان سببا فى نصر الإسلام بعدها فلو كان الرسول حاكما عدايا لالتزم الشورى ولكنه رسول وليس حاكم أما من بعده من أبى بكر إلى يومنا فهو حاكم إذا حكم لا يحكم بما يمليه عليه الشرع ولكن يحكم بما بآرائه هو فقط وليس الإسلام لذلك لا تقاس أفعال الرسول كحاكم على أنها سنة وأعطى مثالا آخر عندما وقع السادات معاهدة السلام مع إسرائيل قال بعض فقهاء السلاطين إنه يجوز لأن الرسول قد عقد مصالحات مع اليهود ولكنى أستطيع أن آتى لكم بآراء من ذات الكتب تؤكد أنه لا يجوز الصلح مع اليهود وهنا يتضح أن الإسلام لم يترك لنا نظاما للعلاقات الخارجية ولا لرئاسة الدولة ولا لشئون إدارتها ولا يقاس كما قلنا على أفعال وأقوال الرسول كحاكم، إذن أين الدولة، التى تتكلمون عنها، وهنا نعود لما قلته الإسلام دين مكون للهوية وجزء أصيل من الدولة وليس الدولة.

-عزت السلامونى: أنا أقول إن فى الإسلام ضوابط وقاعد ثابتة وأخرى قابلة للاختلاف لذلك يجب علينا أن نأخذ بما فعله النبى كحاكم.

-محمد حسان: وأقول أيضا إن هناك خلافا معتبرا وخلافا غير معتبر وليس كل خلاف يمكن اعتباره فى هذه المسائل.

**إسلام بحيرى: أريد أن أسألكم عن تفسير الجماعة الإسلامية لما يخاف منه الناس إذا وصلت الجماعة للحكم عن الآتى : المرأة- الحريات العامة –الدستور - الحدود- القوانين الوضعية كما تسمونها.

_صفوت عبد الغنى: نقبل بأى دستور يقول إن الشريعة الرسمية وليست مبادئ الشريعة الإسلامية ويضمن عدم علمانية الدولة أما الحدود فلا يستطيع مسلم أن ينكر الحدود ولكن مسألة التهيئة للمجتمع تحتاج وقت أما المرأة فلها كل ما للرجل بشرط أن تتوافق مع طبيعتها ولكن مع رفض تام أن تتولى الولاية العامة أو رئاسة الدولة كما نرفض أن تكون قاضية فى قضايا الجنايات لكن من الممكن أن تكون قاضية فى قضايا الأسرة أم الحجاب فلن نفرضه فرضا ولكن لن نتركها تخرج عن القيم المجتمعية.

**إسلام بحيرى: كلمة المبادئ للشريعة تعنى أن يسود العدل والمساواة والحرية فهل ذلك ليس الإسلام؟
-صفوت عبد الغنى: لا يجب أن تنفذ الشريعة بكل تفاصيلها وليس فقط المبادئ وكل التفاصيل هى الأحكام التفصيلية التى تحكم الدولة وحسمها عن طريق السلطة التشريعية.

إسلام بحيرى: أقول فى النهاية إن الوثيقة المزمعة الحاكمة للدستور قد تحرت الدولة فيها ما فعلته اللجنة التأسيسية لدستور عام 1923 حين دعت من كل طوائف الدولة من عمال ونقابيين وأساتذة ومفكرين وعلماء ويجب أن ندعم هذه الوثيقة لأنها الضامن الوحيد لبقاء مصر المدنية.
































الأكثر تعليقاً