في مثل هذا اليوم، 22 سبتمبر 1917، وُلد الشيخ محمد الغزالي أحمد السقا، أحد أبرز دعاة الفكر الإسلامي في مصر خلال القرن العشرين، وصاحب تجربة فكرية ودعوية امتدت لعقود، جمع خلالها بين التكوين الأزهري والقدرة الأدبية والاشتغال بقضايا المجتمع والفكر.
وُلد الغزالي في قرية نكلا العنب التابعة لمركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، ونشأ في أسرة متدينة قبل أن يصبح واحدًا من أكثر الأصوات حضورًا في الخطاب الإسلامي الحديث، وأن يُعرف بلقب «أديب الدعوة»، في إشارة إلى أسلوبه الأدبي المميز وقدرته على تقديم الأفكار الدينية بلغة قريبة من القارئ.
لماذا سُمّي محمد الغزالي بهذا الاسم؟
ترتبط تسمية الشيخ محمد الغزالي برواية عائلية متداولة، تقول إن والده رأى في المنام الإمام أبا حامد الغزالي، وقيل له في المنام إنه سيرزق ولدًا، وأن يسميه باسمه، فاختار الأب اسم "الغزالي" تيمّنًا بالإمام المعروف.
حفظ القرآن في العاشرة بكُتّاب القرية
كانت علاقة الغزالي بالقرآن مبكرة للغاية، إذ أتم حفظه في سن العاشرة بكتاب القرية، قبل أن ينتقل إلى التعليم الأزهري ويلتحق بمعهد الإسكندرية الديني، حيث حصل على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية.
وكان القرآن حاضرًا بقوة في ذاكرته الشخصية، حتى إنه تحدث لاحقًا عن اعتماده على التلاوة في تثبيت الحفظ، وروى أنه كان يقرأ القرآن في أوقات متفرقة من يومه، وأنه وجد فيه أنيسًا خلال فترة اعتقاله.
من الأزهر إلى طريق الدعوة
في عام 1937 انتقل الغزالي إلى القاهرة والتحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وتخرج عام 1941 متخصصًا في الدعوة والإرشاد، ثم حصل على العالمية عام 1943.
وبعد التخرج اتجهت مسيرته إلى الجمع بين الخطابة والتعليم والكتابة، فقد امتلك أسلوبًا أدبيًا واضحًا، وقدرة على صياغة الأفكار الدينية بلغة قوية ومباشرة، وهو ما ارتبط بلقبه الأشهر "أديب الدعوة".
وعُرف في مسيرته الفكرية باشتغاله على تجديد الخطاب الديني ومواجهة ما اعتبره مظاهر للتشدد والغلو، إلى جانب اهتمامه بقضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد والأخلاق.
من مسجد العتبة الخضراء إلى وزارة الأوقاف
بدأ الغزالي حياته العملية إمامًا وخطيبًا في مسجد العتبة الخضراء بالقاهرة، ثم تدرج في الوظائف بوزارة الأوقاف، فعمل مفتشًا للمساجد، وواعظًا بالأزهر، ثم تولى مسئوليات إدارية متتابعة، وصولًا إلى مواقع في إدارة المساجد والتدريب والدعوة والإرشاد، وفي عام 1981 عُيّن وكيلًا لوزارة الأوقاف المصرية، بعد مسيرة طويلة داخل المؤسسة الدينية الرسمية.
محمد الغزالي في السعودية وقطر والجزائر
لم تتوقف مسيرة الغزالي عند المؤسسات الدينية المصرية، ففي عام 1971 أُعير للتدريس في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، كما درّس في كلية الشريعة بقطر، ثم واصل نشاطه الأكاديمي والدعوي خارج مصر.
وفي الجزائر تولى لاحقًا رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية لمدة خمس سنوات، وكانت تلك المهمة من آخر المناصب التي شغلها في مسيرته.
أكثر من 50 كتابًا.. في مواجهة أسئلة عصره
ترك محمد الغزالي إنتاجًا علميًا وأدبيًا واسعًا، وبحسب المصادر التي تناولت سيرته تشير إلى أنه ترك أكثر من خمسين كتابًا، ومن أشهر كتبه: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، عقيدة المسلم، خلق المسلم، فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام؟، هموم داعية، سر تأخر العرب والمسلمين وغيرها.
جائزة الملك فيصل تتوج مسيرته الفكرية
في عام 1989 حصل الشيخ محمد الغزالي على جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام، تقديرًا لجهوده في مجال الدعوة الإسلامية وإنتاجه العلمي والفكري، وأشارت الجائزة إلى غزارة إنتاجه وإسهاماته في خدمة الإسلام والمسلمين.
وكان التكريم امتدادًا لمسيرة طويلة جعل فيها الكتاب والخطابة والتعليم أدوات أساسية للتأثير في المجال الديني والثقافي.
رحيل في الرياض ودفن بالبقيع
في 9 مارس 1996 توفي الشيخ محمد الغزالي في المملكة العربية السعودية، أثناء مشاركته في فعالية تناولت موضوع «الإسلام وتحديات العصر» ضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة، ودُفن في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة.
وبذلك انتهت رحلة رجل امتدت حياته من كُتّاب صغير في قرية مصرية إلى قاعات الجامعات والمؤسسات الدينية والمنابر الثقافية في عدد من الدول العربية.