بيشوى رمزى

التحالفات الدولية.. من وحدة الهدف إلى تقاطع المصالح

الأحد، 09 أغسطس 2026 03:13 م


إذا كانت المعضلة الرئيسية التي باتت تواجه التحالفات في اللحظة الراهنة تتجلى في قدرتها على إعادة إنتاج المصلحة الجمعية بوتيرة أسرع تتعاطى مع المتغيرات الجذرية في البيئة الدولية، في ضوء الكلفة المرتفعة الملقاة على عاتق القيادة، والتي لم يعد بمقدور قوة واحدة تحملها منفردة، بالتوازي مع حرص الدول الأعضاء على التمسك بسيادتها على قراراتها، والاحتفاظ بالحق في توجيه بوصلة علاقاتها الدولية، جراء ارتفاع كلفة التنازلات السيادية، فإن الحاجة تبدو ملحة لإعادة النظر في النموذج الذي يقوم عليه عمل التحالف ذاته.

إلا أن نقطة البداية ربما لا تكمن في البحث عن إصلاح مؤسسي يطور آليات العمل وصناعة القرار، أو حتى في إعادة تنظيم العلاقة بين القيادة والأعضاء، بقدر ما تكمن في إعادة النظر في مفهوم المصلحة الجمعية ذاته، وما إذا كان لا يزال من الممكن التعامل معها باعتبارها هدفا جامعا ومستقرا تلتف حوله دول التحالف لفترات زمنية ممتدة، في لحظة أصبحت فيها المصالح السيادية للأعضاء أكثر حضورا، بينما باتت مساحات الاتفاق والاختلاف بينها أكثر تغيرا من أي وقت مضى.

والواقع أن إنتاج المصلحة الجمعية داخل التحالف يبدو في حاجة إلى منطق مختلف، فلم يعد البحث منصبا على صياغة هدف جامع يتجاوز المصالح السيادية للدول الأعضاء، ثم إعادة إنتاجه على أساس أيديولوجي، كما كان الحال خلال الحرب الباردة، أو ثقافي وحضاري، كما بدا في مرحلة ما بعد انهيار الثنائية القطبية، حيث أن تصاعد الاعتبارات السيادية، وتزايد التباين في حسابات الدول الأعضاء، يجعلان من الصعب إنتاج هدف بديل يحظى بالقدر نفسه من الالتفاف والاستمرارية. ومن ثم، ربما لم تعد المعضلة تكمن في البحث عن هدف جامع جديد، وإنما في إعادة تعريف المصلحة الجمعية ذاتها، باعتبارها مساحة متغيرة من التقاطع بين المصالح السيادية المتباينة؛ بحيث يتحرك كل عضو في التحالف وفقا لما تقتضيه مصالحه الفردية وقراره الوطني، بينما يتحرك التحالف جماعيا داخل المساحة التي تجمع بين مصالح أعضائه.

والمصلحة الجمعية، في هذا الإطار، لم تعد ثابتا يدور حوله أعضاء التحالف، وإنما باتت مساحة متغيرة تتشكل بحسب مصالح كل دولة وحدود قرارها السيادي، فقد تتقاطع مصالح الدول في أحد الأبعاد الاقتصادية أو الأمنية المرتبطة بملف ما، بينما تتباين في أبعاد أخرى تتعلق بالكيفية التي ينبغي التعامل بها معه. وهو ما يبدو، على سبيل المثال، في الحرب الأمريكية على إيران وما ترتب عليها من تداعيات ارتبطت بحرية الملاحة في مضيق هرمز، حيث بدا التقاطع واضحا حول ضرورة حماية حركة الملاحة، في الوقت الذي برز فيه الخلاف حول الأدوات التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك، وخاصة فيما يتعلق بحدود الانخراط العسكري، أو جدوى استمرار الحرب، أو حتى ما إذا كانت هناك ضرورة لإسقاط النظام الإيراني أم لا.

وهنا لا يؤدي الاختلاف بالضرورة إلى انتفاء المصلحة الجمعية، وإنما يعيد تحديد حدودها، بحيث تبقى قائمة في المساحة التي تتقاطع فيها مصالح الأطراف، بينما يحتفظ كل منها بموقفه المستقل خارج هذه المساحة.

وبالمقارنة بين الحالة الإيرانية وما سبقها من حالات أخرى، على غرار الحربين في العراق وأفغانستان، أو حتى قبل ذلك خلال الحرب الباردة، لا يبدو الاختلاف في غياب المصلحة الوطنية عن المراحل السابقة، باعتبارها ظلت حاضرة بطبيعة الحال في حسابات الدول، وإنما في قدرة الأطر الأيديولوجية والحضارية الجامعة على احتواء التباينات بين تلك المصالح وإبقائها تحت مظلة مصلحة جمعية أوسع، أما في المرحلة الراهنة، فقد تراجعت قدرة هذه الأطر على القيام بالوظيفة ذاتها، بينما أصبحت الاعتبارات السيادية أكثر حضورا في تحديد حدود التقارب والاختلاف بين أعضاء التحالف تجاه كل قضية على حدة.

وبالتالي، فإن إعادة إنتاج المصلحة الجمعية لا تعني في صورتها الجديدة البحث بصورة متكررة عن هدف بديل يحظى بإجماع أعضاء التحالف، وإنما القدرة على تفكيك القضايا التي تواجهه إلى مساحات متعددة، وتحديد مواضع التقاطع بين مصالح أعضائه داخل كل منها.

والواقع أن اكتشاف مساحات التقاطع بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بمواقفها من قضية واحدة لا يبدو كافيا، في حد ذاته، لإنتاج المصلحة الجمعية، وإنما يمثل الخطوة الأولى في هذا الإطار، حيث تبقى قدرة التحالف على تحويل تلك المساحات إلى فعل مشترك تحديا لا يقل أهمية.

ولا يكمن التحول هنا في منح الدول الأعضاء حرية تحديد طبيعة مشاركتها، باعتبار أن هذه الحرية ظلت قائمة بدرجات متفاوتة في التحالفات التقليدية، وإنما في تحول الأدوار المتباينة التي تستطيع الدول القيام بها، وفقا لمصالحها وأولوياتها وقدراتها وقرارها السيادي، إلى مكونات أساسية للفعل الجماعي ذاته، فبدلا من أن تتحمل القيادة الجزء الأكبر من مسؤولية تحقيق الهدف، بينما تتفاوت مساهمات الأعضاء بين المشاركة الفعلية أو الدعم السياسي والرمزي، يصبح الفعل الجماعي نتاجا لترابط أدوار متعددة، قد تكون عسكرية أو دبلوماسية أو لوجستية أو أمنية أو اقتصادية، بحيث يمثل مجموعها القدرة التي يمتلكها التحالف على تحقيق المصلحة التي تجمع بين أعضائه.

وتكشف التحولات سالفة الذكر في عملية إنتاج المصلحة الجمعية، عبر تفكيك القضايا لاكتشاف مساحات التقاطع من جانب، وتحويل الأدوار المتباينة للدول الأعضاء إلى مكونات للفعل الجماعي من جانب آخر، عن تحول ثالث يتعلق بدور قيادة التحالف ذاتها. فبعدما اضطلعت القيادة، في النموذج التقليدي، بالدور الأكبر في صياغة الهدف الجامع وتحملت القسط الرئيسي من أعباء تحقيقه، يصبح دورها في النموذج الجديد أكثر ارتباطا بتنظيم الترابط بين الأدوار التي تحددها الدول الأعضاء وفقا لمصالحها وقدراتها وقراراتها السيادية، والعمل على تحويل مجموعها إلى قدرة جمعية متماسكة تحقق المساحة المشتركة من المصالح، حتى مع استمرار الخلاف بين الأعضاء حول أبعاد أخرى داخل القضية ذاتها.

وهنا يمكننا القول إن إعادة إنتاج المصلحة الجمعية في صورتها الجديدة لا تتطلب بالضرورة البحث عن هدف جامع جديد يعيد توحيد مواقف أعضاء التحالف، بقدر ما تتطلب القدرة على اكتشاف مساحات التقاطع المتغيرة بين مصالحهم، وصياغة أهداف مشتركة داخلها، يمكن تحقيقها عبر أدوار متباينة تتوافق مع مصالح الدول الأعضاء وقدراتها وقراراتها السيادية، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بمساحات الاختلاف التي يمارس داخلها كل عضو قراره بصورة مستقلة. وفي هذا الإطار، لا يصبح تماسك التحالف مرهونا بتطابق مواقف أعضائه تجاه القضايا التي يواجهها، وإنما بقدرته على الاستمرار في إنتاج مساحات قابلة للعمل المشترك رغم ما يحيط بها من خلافات.

 

إقرأ أيضا

التحالفات الدولية.. معضلة إنتاج المصلحة الجمعية

حرب السيادة.. طبيعة الصراع في حقبة الــ GAPS

من الخصوم إلى الحلفاء.. معضلة "التماهيات" داخل المعسكر الواحد




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة