لم تكن الكتابة عند نجيب محفوظ فعلًا عابرًا أو نشاطًا يمكن أن يمارسه في أي وقت وتحت أي ظروف، وإنما كانت جزءًا من نظام يومي شديد الانضباط، تشكل عبر سنوات طويلة من العمل والتجربة، حتى أصبح الجلوس إلى المكتب في موعد محدد مقدمة ضرورية لدخول عالم الرواية.
وقد عرف عن صاحب نوبل في الأدب عام 1988، طقوسه الصارمة في نظام حياته اليومية بداية من الأكل والنوم وساعات الكتابة، فتحولت مجموعة العادات اليومية إلى نظام حياة كاملًا، إذ كان يحدد ساعات للعمل والكتابة والقراءة، ولعل أهم ما تكشفه شهادات محفوظ مع أصدقائه والتي وثقت في عدد من الكتب والأحاديث الصحفية هو أنه لم يعتمد على فكرة «الإلهام» وحدها، وإنما بنى تجربته على الانضباط والتكرار والممارسة، فالكاتب عنده لا ينتظر اللحظة المثالية، وإنما يصنع الظروف التي تمكنه من الكتابة، حتى يصبح المكتب والموعد والهدوء والاستعداد النفسي جزءًا من عملية الإبداع نفسها.
ويقول نجيب محفوظ في حديث عن برنامجه اليومي في حوار نشر في صيف 1992 في مجلة (باريس ريفيو)، ترجمته آية عدنان آغا: «دائمًا ما كنت مضطرًا للعمل وفق جدول منتظم. من الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا أكون في العمل، ومن الرابعة حتى السابعة أمارس الكتابة، أما من السابعة حتى العاشرة فأقرأ. هكذا كان جدولي اليومي باستثناء يوم الجمعة. لم أحظ بالوقت الكافي لأمارس الكتابة، ومع ذلك توقفت عن الكتابة قبل ثلاث سنوات تقريبًا».
هذا النظام بالنسبة إلى محفوظ كان أقرب إلى طقس ثابت، فرضته عليه طبيعة حياته العملية أولًا، ثم تحول مع مرور السنوات إلى أسلوب لا يستطيع الكتابة من دونه.
وشرح محفوظ أن النظام الذي اتبعه في الكتابة لم يكن ثابتًا طوال حياته، وإنما اختلف باختلاف المراحل التي مر بها، قائلًا: «اختلف النظام الذي اتبعه في الكتابة باختلاف المراحل التي مررت بها في حياتي، وهي ثلاث: مرحلة الوظيفة، ومرحلة ما بعد المعاش، ومرحلة ما بعد جائزة نوبل».
وفي مرحلة الوظيفة، كان اليوم بالنسبة إليه مقسمًا بدقة. يخرج من عمله في الثانية ظهرًا، ويعود إلى البيت لتناول الغداء، ثم يستريح لبعض الوقت، وبعدها يجلس إلى مكتبه عندما تدق الساعة الرابعة، ويبدأ الكتابة لمدة ثلاث ساعات، تليها ثلاث ساعات أخرى للقراءة.
وكان محفوظ حريصًا على أن تأتي الكتابة قبل القراءة، لأن ترتيب العادات المسائية بالنسبة إليه لم يكن أمرًا عشوائيًا، حيث يوضح: «كنت أبدأ بالكتابة أولًا، لأنني إذا جعلتها بعد القراءة، فلن أنام الليل، لأن الكتابة تصيبني بصداع يتلوه الأرق، وكان عليَّ أن أستيقظ مبكرًا لألحق بمواعيد العمل، وكان الموظف في تلك الأيام ملتزمًا إلى أقصى درجات الالتزام، لأنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك».
قبل أن يكتب.. كان يبحث عن الرواية
لكن الجلوس إلى المكتب عند الرابعة ليس معناه أن محفوظ كان يبدأ الكتابة فورًا، فعملية الكتابة نفسها كانت تسبقها مرحلة ذهنية طويلة، يرى أنها ضرورية حتى يصبح الموضوع جاهزًا، ويقول: «لم يكن جلوسي اليومي للكتابة بالأمر السهل، لأنه يقتضي أولاً أن يكون موضوع الكتابة قد تخمّر في ذهني، وكان هذا الأمر يجعلني في حالة تفكير مستمر، أثناء وجودي في الوظيفة، وفي أوقات العمل، وفي أثناء المشي، وحتى في وقت تناول الطعام».
كانت الأفكار تأتيه على هيئة تفاصيل صغيرة، تتجمع تدريجيًا داخل ذهنه، إلى أن تتشكل منها الرواية في صورتها العامة، ولذلك يصف الرواية بأنها ليست فكرة واحدة تنزل مكتملة، وإنما حصيلة تراكم مستمر: «في كل مرة تأتيني تفصيلة من جسم الرواية، وما الرواية إلا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكوّن العمل الروائي في النهاية».
وهذه الطريقة في التفكير تعني أن عملية الكتابة عند محفوظ تبدأ قبل الإمساك بالقلم بوقت طويل؛ إذ كان يعيش مع العمل وهو في الشارع، وفي العمل، وأثناء المشي، وحتى خلال تناول الطعام.
الاستعداد النفسي.. ساعة أمام الورقة بلا كلمة
وكان على محفوظ أيضًا أن يصل إلى حالة نفسية معينة قبل أن يبدأ الكتابة، وهو أمر لم يكن سهلًا في بداياته، قائلًا: «الجلوس للكتابة يقتضي كذلك أن يكون لديك الاستعداد النفسي لها، وفي البداية كنت أجد صعوبة في تهيئة نفسي للكتابة، وأظل ممسكًا بالقلم لمدة ساعة كاملة بدون أن أكتب كلمة واحدة».
لكن هذا الأمر تغير مع الوقت والممارسة، إذ ساعده الالتزام بالنظام الصارم على تحويل الكتابة من حالة نفسية معقدة إلى عادة يومية تلقائية: «ومن خلال التعود، وممارسة هذا النظام الصارم، أصبح الاستعداد للكتابة يأتيني بمجرد الجلوس على المكتب، خاصة عندما يكون الموضوع قد اختمر في ذهني واستوى ولم يبق إلا تفريغه على الورق».
وهنا يبدو أن محفوظ لم يعتمد فقط على الإلهام، بل على فكرة أخرى أكثر صرامة، وهي أن الكاتب يمكنه تدريب نفسه على الكتابة، وتحويل الاستعداد لها إلى عادة منتظمة.
ومع أن محفوظ كان شديد الالتزام بمكتبه، فإن الأفكار لم تكن تنتظر وصوله إلى المنزل، كان، في بعض الأحيان، يدون الملاحظات والأفكار العابرة التي تأتيه خارج المنزل على ورقة صغيرة حتى لا ينساها. ويقول إن هذه الطريقة كانت مهمة بصورة خاصة في مرحلة اهتمامه بالكتابة الواقعية، حيث كان يجلس أحيانًا على المقهى، وتلفت انتباهه تفاصيل صغيرة يرى أنها يمكن أن تخدمه في الكتابة.
لكنه يوضح أن طبيعة اهتمامه تغيرت لاحقًا: «في مرحلة لاحقة لم يعد لتلك التفاصيل نفس الأهمية، حيث انصب اهتمامي الأكبر على الفكر».
وهذا يكشف عن تطور في أدوات الكتابة لديه؛ من التقاط التفاصيل اليومية في الواقع، إلى الاهتمام بصورة أكبر بالفكرة والمعنى، دون أن يعني ذلك التخلي تمامًا عن ملاحظة الحياة من حوله.
الكتابة من أكتوبر إلى إبريل
ومن أكثر التفاصيل وضوحًا في علاقة محفوظ بالكتابة أنه لم يكن قادرًا على الكتابة إلا في أوقات محددة، وهو يوضح طقسه الصارم حتى في الكتابة، وقد حدد صاحب «الحرافيش» ذلك الوقت، قائلا: سنة العمل تبدأ في أكتوبر وتنتهي في إبريل، وما بين من إبريل إلى سبتمبر لا أكتب مطلقًا بسبب الحساسية والتعب».
كذلك يبدو الكتابة في المنزل شيئًا مقدسًا عن محفوظ، فلم يكن يكتب في أي مكان، موضحًا: «لا أستطيع الكتابة إلا على مكتبي في البيت، أما خارجه فلا يمكنني الإمساك بالقلم، وكل أعمالي الروائية كتبتها في البيت».
وهكذا فأن المكتب بالنسبة لمحفوظ كان المكان الذي ارتبطت به عملية الكتابة كلها، وهو ما يتناسب مع شخصيته التي كانت تميل إلى النظام والتكرار والروتين اليومي، وحتى عندما كانت أفكار الروايات تتولد لديه في الخارج، فإن تنفيذها الفعلي كان ينتظر العودة إلى البيت والجلوس إلى مكتبه.
الشيشة ثم البايب وأخيرًا السجائر
ومن أكثر طقوس نجيب محفوظ ارتباطًا بالكتابة علاقته بالتدخين، وهي عادة رافقته منذ سنوات مبكرة، ويقول محفوظ: «ترتبط الكتابة عندي بعادتين، الأولى: هي التدخين الذي مارسته منذ أن كنت طالبًا في المرحلة الثانوية واستمر معي حتى الآن».
وفي البداية كان يدخن الشيشة، لكنه اكتشف أنها غير عملية أثناء الكتابة، لأنها كانت تجبره على مغادرة البيت، فيوضح: «كنت في البداية أدخن الشيشة، ثم وجدت أنها غير عملية، ففي أثناء الكتابة كنت اضطر إلى التوقف، وأضع «الروب دي شامبر» فوق البيجامة التي أرتديها، وأنزل إلى المقهى لتدخين الشيشة فلم يكن في إمكاني تدخينها في البيت، حيث لا أحد يساعدني في تجهيزها».
ولذلك انتقل من الشيشة إلى «البايب»، لكنه اكتشف سريعًا أن الأمر لم يحل المشكلة: «فاستبدلت الشيشة «بالبايب»، واكتشفت بعد فترة أن «البايب» يحتاج إلى خدمة مثل «الشيشة» ولم يكن أمامي سوى السجائر، فللأسف لا يوجد هناك ما هو أسهل منها».
ومن هنا أصبحت السجائر جزءًا من طقس الكتابة نفسه، لأنها الوسيلة الأسهل والأكثر عملية في نظره، بعيدًا عن ضرورة إعداد الشيشة أو تنظيف البايب.
الموسيقى.. صوت في هامش الشعور
أما العادة الثانية التي كان يربطها محفوظ بالكتابة فهي الموسيقى، حيث يقول أديب نوبل، وفقًا لما نقله الباحث عمرو فتحي في «نجيب محفوظ– عن الكتابة»: «وإلى جانب السجائر أحب أن تكون هناك خلفية موسيقية أثناء الكتابة، أجعلها في هامش الشعور ولا ألتفت إليها».
وفي المقابل، كان محفوظ يرفض فكرة الاستعانة بالمشروبات أو المواد التي يعتقد بعض الكتاب أنها تساعد على تهيئة العقل للكتابة، ويقول: «ثم إنني لا أتناول أي مشروبات بما فيها الشاي والقهوة ويدهشني ما أسمعه عن بعض الكتّاب الذين يحرصون على تناول الخمر أو الحشيش، حتى يهيئوا أنفسهم للكتابة».
ثم يضيف: «فعندما أمسك بالقلم لابد أن أكون في أقصى درجات الوعي والتركيز والانتباه».
المسودات.. معركة مع اللغة
ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في طقوس نجيب محفوظ علاقته بالمسودات. فهو يقول إنه كان يقوم بمراجعات متكررة، ويحذف الكثير من الجمل، ويكتب على جميع أنحاء الورقة، حتى على الجزء الخلفي منها. وكانت مراجعاته، في بعض الأحيان، أساسية وجذرية، وبعد أن ينتهي منها يعيد كتابة النص ويرسله إلى الناشر.
لكن المفاجأة أنه لم يكن يميل إلى الاحتفاظ بالمسودات القديمة؛ بل كان يمزقها ويتخلص منها. ويقول: «قد يكون الأمر كذلك، ولكنه ببساطة ليس جزءًا من ثقافتي، لم أسمع بكاتب احتفظ بمسودات أعماله».
ثم يوضح سببًا آخر ساخرًا لطريقته: «كما أنه يجب التخلص من هذه المسودات والملاحظات الورقية حتى لا يفيض منزلي بها! إلى جانب ذلك، خطي رديء جدًا».
وبذلك لم ينظر محفوظ إلى المسودة باعتبارها أثرًا أدبيًا ينبغي الاحتفاظ به، وإنما باعتبارها مرحلة مؤقتة من مراحل صناعة العمل.
«ملك التمزيق»
لكن علاقة محفوظ بالمسودات تحمل مفارقة لافتة، إذ يشير الكاتب الصحفي محمد شعير إلى أن رحلة البحث التي قام بها لم تقوده إلى إجابة مباشرة عن بعض الأسئلة، لكنها كشفت جوانب أخرى من شخصية محفوظ، خصوصًا أنه كان دائم القول إنه «ملك التمزيق»، ولا يحتفظ بمسودات مؤلفاته.
ومع ذلك، فقد كشفت رحلة البحث عن وجود مخطوطات ومسودات لبعض أعماله في منزله، ويرى شعير أن المسودات تمثل «مطبخ الكاتب»، لأنها تكشف التغييرات التي يمر بها العمل أثناء الكتابة، وتوضح كيف تتغير الشخصيات والبناء والنص من مرحلة إلى أخرى.
ويذكر مثالًا مهمًا في هذا السياق هو المسودة الأولى لرواية «قشتمر»، التي كانت مبنية على شخصية روائية واحدة، قبل أن تتحول في النسخة النهائية إلى أربع شخصيات.
كما يشير إلى «أصداء السيرة الذاتية»، معتبرًا أن النسخة المتداولة ليست بالضرورة الأدق بالنسبة إلى ما كتبه محفوظ، خاصة في ظل وجود أخطاء في ترجمة بعض النصوص، مع صدور الطبعة الإنجليزية قبل العربية بثلاث سنوات.
المسودة ليست نسخة من الرواية
وتأتي أهمية المسودات هنا من أنها لا تقدم نصًا بديلًا للرواية فقط، بل تكشف كيف كان محفوظ يصنع روايته، فوفقًا لما يشرحه محمد شعير، لم تكن علاقته بالمسودة قائمة على إعادة بناء الأحداث من الصفر، لأن البناء والأحداث كانا مكتملين في ذهنه بدرجة كبيرة، وإنما كانت المسودة بالنسبة إليه ساحة لمراجعة اللغة، وصقل الجمل، والتخلص من الزوائد.
سلة المهملات أنقذت بعض رواياته
ومن المفارقات الأخرى أن بعض مسودات نجيب محفوظ لم يكن مصيرها الهلاك، رغم أنه كان يتخلص منها بنفسه، فقد أنقذت زوجته عددًا من المسودات التي ألقاها في سلة المهملات، وهو ما أتاح لاحقًا الاحتفاظ بنصوص ومواد تتعلق بأعمال مثل «ميرامار» و«الشحاذ» و«قشتمر».
وتكشف هذه الواقعة عن مفارقة أساسية في حياة الكاتب: الرجل الذي لم يكن يرى ضرورة في الاحتفاظ بمسوداته، ولم يكن يعتبرها جزءًا ضروريًا من إرثه، ترك وراءه بسبب الصدفة وجهود أسرته بعض المواد التي أصبحت لاحقًا ذات قيمة كبيرة لفهم طريقته في الكتابة.