مسجد المعينى الأثرى بدمياط.. 7 قرون من العلم والعبادة وعبقرية العمارة المملوكية

الأربعاء، 26 أغسطس 2026 01:00 ص
مسجد المعينى الأثرى بدمياط.. 7 قرون من العلم والعبادة وعبقرية العمارة المملوكية مسجد المعيني الأثري بدمياط

دمياط معتز الشربيني

في قلب مدينة دمياط، وبمنطقة الحي التجاري القديم، يقف مسجد المعيني الأثري شاهدًا شامخًا على عراقة الحضارة الإسلامية في مصر، وحافظًا لذاكرة مدينة عرفت العلم والتجارة والعمران عبر قرون طويلة؛ فهو ليس مجرد مسجد أثري، وإنما صفحة مضيئة من تاريخ العمارة الإسلامية، ارتبط اسمه بالعلم والفقه وطلاب المعرفة، وظل شاهدًا على عصور متعاقبة مرّت بها مدينة دمياط.

ويُعرف المسجد كذلك باسم مدرسة ومسجد المعيني، أو المدرسة المعينية، وهو من أبرز العمائر الإسلامية الباقية في محافظة دمياط؛ لما يتميز به من تخطيط مملوكي فريد، وارتفاع جدرانه، وروعة أخشابه وزخارفه، وأرضياته الفسيفسائية، إلى جانب ما يحمله من قيمة تاريخية وعلمية كبيرة.

 

أكثر من سبعة قرون من التاريخ

يرجع إنشاء مسجد المعيني إلى سنة 710هـ الموافق 1310م، في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، ويُنسب إلى التاجر الدمياطي محمد بن معين الفارسكوري، الذي ارتبط اسمه بإنشاء هذا الصرح ليكون مسجدًا ومنارة للعلم في الوقت نفسه. وتؤكد بيانات مشروع ترميم المسجد المنشورة من شركة المقاولون العرب أن إنشاءه يعود إلى 710هـ/1310م.

ومن المهم التنبيه إلى أن بعض المواد المنشورة على شبكة الإنترنت تورد تاريخ 810هـ، إلا أن هذا التاريخ لا يتوافق مع سنة 1310م؛ لذلك جرى اعتماد التاريخ 710هـ/1310م في هذا التقرير، وهو التاريخ الذي تؤكده عدة مصادر مستقلة، من بينها بيانات مشروع الترميم ومصادر ثقافية وإعلامية حديثة.

ومنذ إنشائه ارتبط المسجد بوظيفة دينية وعلمية في آن واحد، فلم يكن مكانًا لأداء الصلاة فحسب، بل كان مدرسة يقصدها طلاب العلم لتلقي العلوم الشرعية ودراسة المذاهب الفقهية الإسلامية.

 

مسجد ومدرسة للمذاهب الفقهية الأربعة

يتميز مسجد المعيني بتخطيطه المملوكي الفريد؛ إذ يتكون من صحن مفتوح تحيط به أربعة إيوانات، ويُعد إيوان القبلة أكبرها، بينما خُصصت الإيوانات لتدريس المذاهب الفقهية الإسلامية الأربعة: المالكي، والحنفي، والشافعي، والحنبلي.

وقد جعل هذا الدور العلمي من المسجد مقصدًا لطلاب العلم، وتحول مع مرور الزمن إلى أحد المراكز المهمة لنشر العلوم الشرعية في دمياط، حتى ارتبط اسمه بالعلم والفقه وطلاب المعرفة.

وتشير المصادر إلى أن أجزاء علوية من المبنى كانت مهيأة لاستقبال الطلاب وإقامتهم خلال فترة الدراسة.

كما ارتبط المسجد في فترات تاريخية لاحقة بحلقات الذكر والتصوف، وهو ما أضاف إلى تاريخه بُعدًا روحيًّا وعلميًّا آخر، وجعله واحدًا من الأماكن التي اجتمعت فيها العبادة والتعليم والذكر.

 

عمارة مملوكية تحكي عبقرية البناء

يُعد مسجد المعيني من المساجد النادرة في الوجه البحري من حيث التخطيط والزخارف وطريقة البناء، وتظهر فيه خصائص العمارة المملوكية بصورة واضحة، ولا سيما في ضخامة البناء وارتفاع الجدران والمئذنة، وفي تفاصيل الأسقف والأخشاب والزخارف الداخلية.

ويتوسط المسجد صحن مفتوح تتميز أرضيته بزخارف فسيفسائية ورخامية ذات تكوينات هندسية وفنية لافتة، بينما تحيط به الإيوانات الأربعة، ولكل إيوان سقف خشبي مزين بزخارف دقيقة تعكس مهارة الصناع في ذلك العصر.

ومن العناصر المميزة كذلك وجود مقصورة خشبية تحيط بضريح داخل المسجد، صُنعت على طراز المشربيات العربية، بما يمنح المكان طابعًا فنيًّا وروحيًّا فريدًا، ويكشف عن تداخل فنون النجارة والزخرفة مع العمارة الدينية في العصر الإسلامي.

 

مسجد شُيّد فوق القناطر

ومن أكثر الجوانب إثارة في تاريخ مسجد المعيني موقعه وطريقة إنشائه؛ فقد كان المسجد عند إنشائه قريبًا من مجرى النيل، وشُيد فوق قناطر وبتصميم يرفع مبناه عن مستوى المياه، في معالجة هندسية تتناسب مع طبيعة المنطقة وظروفها المائية آنذاك.

ولا يزال أسفل المسجد قبو وفراغ فسيح، وهو ما يعكس طبيعة الحلول الإنشائية التي اتبعها البناؤون للحفاظ على المبنى في منطقة كانت تتأثر بمياه النيل. وقد أشارت مصادر متعددة إلى أن هذا النظام الإنشائي كان من العناصر التي منحت المسجد تميزًا خاصًا بين العمائر الإسلامية في الوجه البحري.

 

منبر تاريخي ومقصورة من الخشب

ويحتفظ مسجد المعيني بعناصر خشبية ذات قيمة فنية وتاريخية، من بينها منبر المسجد الذي ظل محتفظًا بطابعه القديم رغم أعمال التطوير والترميم التي شهدها الجامع.

كما تمثل المقصورة الخشبية المحيطة بالضريح أحد أبرز عناصر المسجد، بما تحمله من زخارف مستوحاة من فن المشربيات العربية، لتضيف إلى المكان قيمة فنية إلى جانب قيمته الدينية والأثرية.

 

ترميم يعيد الحياة إلى الأثر

مع مرور الزمن تعرض المسجد لتأثير عوامل مختلفة أدت إلى تراجع حالته، وتوقفت المدرسة عن أداء دورها التعليمي، كما أُغلق المسجد لفترات قبل أن تبدأ جهود ترميمه وإعادته إلى الحياة.

وفي عام 2007م بدأ مشروع شامل لترميم وتطوير مسجد المعيني، ونُفذت أعمال الترميم تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار، واستمرت الأعمال حتى عام 2009م. وتذكر شركة المقاولون العرب، المنفذة للمشروع، أن فترة الأعمال امتدت من 2007 إلى 2009، وأن المسجد أُعيد افتتاحه لاستقبال المصلين في عام 2009.

وقد بلغت تكلفة مشروع الترميم نحو 13 مليون جنيه، وأن المسجد افتُتح لاستقبال المصلين في 20 يوليو 2009، الموافق 27 رجب 1430هـ، ليعود إلى أداء رسالته الدينية وإقامة الصلاة والشعائر.

وقد أسهمت أعمال الترميم في الحفاظ على العناصر المعمارية والفنية المميزة للمسجد، وإبراز جمال الصحن والإيوانات والأخشاب والزخارف، بما أعاد إلى الجامع جانبًا كبيرًا من رونقه التاريخي.

 

بيت من بيوت الله وذاكرة حية للمدينة

ورغم أن مسجد المعيني يحمل قيمة أثرية كبيرة، فإنه لم يتحول إلى أثر صامت؛ فقد عاد بعد ترميمه إلى استقبال المصلين وإقامة الصلوات والشعائر الدينية، ولا يزال يحظى بمكانة خاصة لدى أبناء دمياط وزائريها، خاصة خلال المواسم الدينية وشهر رمضان المبارك.

ويجمع المسجد في رحابه بين عبادة الله وحفظ التراث؛ فالصلاة التي تؤدى اليوم في أروقته هي امتداد لرسالة بدأت منذ أكثر من سبعة قرون، والعناصر المعمارية الباقية فيه تروي للأجيال قصة مرحلة مهمة من تاريخ العمارة الإسلامية في مصر.

 

المعيني.. حين تتحول العمارة إلى ذاكرة

وهكذا يظل مسجد المعيني الأثري بدمياط واحدًا من الشواهد البارزة على عظمة العمارة الإسلامية في مصر، وذاكرة حية لمدينة دمياط في عصر المماليك؛ مسجدٌ أنشئ في القرن الثامن الهجري ليجمع بين العبادة والعلم، واحتضن طلاب المذاهب الفقهية الأربعة، وشهد حلقات الذكر، وواجه تقلبات الزمن، ثم عادت إليه الحياة بعد أعمال الترميم.

مسجد المعيني بدمياط.. سبعة قرون من التاريخ، ومنارة للعلم والعبادة، وتحفة مملوكية تحفظ بين جدرانها ذاكرة المكان وروح الحضارة الإسلامية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة