لم تكن لميس الكحلوت تتخيل أن يأتي يوم تجد فيه نفسها مضطرة إلى أن تحمل مسؤولية إخوتها الصغار، وتتحول من طفلة تبحث عن الأمان في حضن والديها إلى سند لعائلة صغيرة تحاول أن تبقى متماسكة وسط حرب لم تترك لهم سوى الخوف والانتظار.
غياب الأب والأم
بدأت حكاية لميس مع الفقد والغياب منذ الأيام الأولى للحرب، حين غادر والداها غزة متوجهين إلى مصر لتلقي والدها العلاج، بعدما تدهورت حالته الصحية، كانت الخطة في البداية بسيطة ومؤقتة، رحلة علاج تستمر أسابيع قليلة، ثم يعود الأب إلى أطفاله، وتعود الأسرة إلى حياتها التي اعتادت عليها، لكن الأمور لم تسر كما كانت تتمنى العائلة.
تدهورت الحالة الصحية للأب، واضطر إلى مواصلة العلاج خارج القطاع، وتحولت الأسابيع القليلة إلى غياب طويل، وجدت لميس خلاله نفسها أمام مسؤولية لم تكن مستعدة لها، لكنها اضطرت إلى تحملها.
لم تكن لميس تبحث عن مكان تقيم فيه فحسب، بل كانت تبحث عن مكان يمكن أن تشعر فيه هي وإخوتها بشيء من الأمان، تنقلت الأسرة الصغيرة بين عشرات الأماكن، ما بين منزل جدها وأقاربها وأعمامها وأخوالها، في رحلة نزوح متواصلة فرضتها ظروف الحرب والخوف من القصف، وفي إحدى المحطات، لم يكن منزل الجد الذي لجأت إليه العائلة أكثر أمانا من غيره.
لميس الكحلوت وأشقائها داخل غزة
قصف منزل الجد
كان القصف أقرب من أن يمنحهم فرصة للنجاة، استهدف الاحتلال المنزل بينما كان أفراد الأسرة بداخله، وسقط جد لميس وعدد من أفراد الأسرة، بينهم إحدى شقيقاتها، فيما خرجت لميس من تحت الركام، تحمل في ذاكرتها مشهدا لا يشبه عمرها، وتواجه خسارة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الخوف والفقد.
خرجت لميس من تحت الأنقاض، لكنها لم تخرج من آثار ما حدث، فقدت جدها وشقيقتها وعددا من أفراد أسرتها، وفقدت في الوقت ذاته أحد أهم مصادر الأمان الذي كانت تلجأ إليه خلال رحلة النزوح، واليوم، تعيش مع إخوتها الصغار في خيمة بمدينة دير البلح، بعيدا عن والديهما، وتحاول أن تقوم بالدور الذي فرضته عليها الظروف، دور الأب والأم في آن واحد.
الاعتناء بالأشقاء
تعتني بإخوتها، تحاول توفير احتياجاتهم اليومية، وتبقى إلى جانبهم في الخيمة التي أصبحت منزلهم، رغم أنها هي نفسها بحاجة إلى من يعتني بها، ويطمئنها، ويقول لها إن كل هذا الخوف سينتهي يوما.
لميس لم تختر أن تكبر بهذه السرعة، وتصبح مسؤولة عن إخوتها، وتعيش بعيدا عن والديها، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى مواجهة كل ذلك بعدما أخذت الحرب منها تفاصيل الطفولة، وتركتها أمام مسؤوليات أكبر من عمرها، وفي كل ليلة، يبقى هناك حلم واحد يرافقها أن تجتمع من جديد بوالديها في مصر.
تحلم لميس بأن تنتهي رحلة الغياب، وترى والدها الذي ما زال يتلقى العلاج، وتعود إلى حضن أمها، وتتوقف عن لعب دور الأم لإخوتها، لتعود هي نفسها طفلة تحتاج إلى أم وأب، لا إلى أن تكون سندا للجميع.
قصتها ليست فقط قصة طفلة نزحت من مكان إلى آخر، بل قصة طفولة وجدت نفسها فجأة أمام مسؤولية عائلة كاملة، بعدما فرقتها الحرب عن والديها وحرمتها من جدها وشقيقتها وأفراد من أسرتها، وبين خيمة في دير البلح ووالدين بعيدين، تقف لميس في منتصف المسافة بين الخوف والأمل، تحاول أن تحمي إخوتها، بينما تنتظر اليوم الذي تستطيع فيه أن تترك هذه المسؤولية جانبا، وتعود إلى مكانها الطبيعي طفلة بين أبيها وأمها، لا أما لإخوتها.