أثار سقوط النجم الألماني جمال موسيالا، لاعب بايرن ميونخ، داخل أرض الملعب اهتمامًا واسعًا، بعدما تكررت الواقعة خلال فترة زمنية قصيرة. وظهر اللاعب في مباراتين وديتين لبايرن ميونخ أمام لايبزيغ وهايدنهايم، قبل أن يوضح أن ما يمر به يرتبط بنوبات قصيرة ومؤقتة من الغياب نتيجة خلل عصبي قابل للعلاج. وأكد موسيالا أنه يتعامل مع حالته تحت إشراف طبي، معربًا عن تفاؤله بشأن قدرته على مواصلة مسيرته، بينما أشارت التقارير المتعلقة بالنادي إلى عدم وجود مؤشرات حاليًا على أن المشكلة ستضع حدًا لمسيرته الاحترافية.
وفقًا لتقارير نشرتها وكالة الأنباء الألمانية "د ب أ" ونقلتها وسائل إعلام دولية، فإن بايرن ميونخ كان على علم بالمشكلة العصبية لدى موسيالا قبل ظهورها أمام الجماهير، كما أوضحت تصريحات لاحقة من إدارة النادي أن تغييرًا في العلاج سبق واقعتَي السقوط الأخيرتين. وهذا مهم لأن مصطلح "خلل عصبي" لا يشير إلى مرض واحد محدد، وإنما هو وصف واسع لمشكلة تؤثر في عمل الجهاز العصبي، بينما تحتاج الحالة الدقيقة إلى تقييم متخصص لتحديد سبب الأعراض وطبيعتها
ووفقًا لما جاء بتقرير نشر فى موقع كليفيلاند كلينيك الطبى ، فإن الاضطرابات العصبية تشمل مجموعة واسعة جدًا من الحالات التي تؤثر في الدماغ أو الحبل الشوكي أو الأعصاب، ولذلك فإن وصف شخص بأنه يعاني من "خلل عصبي" لا يمثل تشخيصًا طبيًا محددًا بمفرده، وإنما يحتاج الطبيب إلى تحديد السبب ونوع الاضطراب من خلال الأعراض والفحص والفحوص اللازمة.
ما المقصود بالخلل العصبي؟
الجهاز العصبي هو منظومة شديدة التعقيد تتحكم في عدد هائل من وظائف الجسم، بدءًا من الحركة والإحساس والتوازن، وصولًا إلى الذاكرة والتركيز والكلام والنوم وبعض العمليات التي تحدث تلقائيًا مثل التنفس وضربات القلب والهضم.
ولهذا فإن حدوث اضطراب في إحدى وظائف الجهاز العصبي يمكن أن يظهر بصورة مختلفة تمامًا من شخص إلى آخر. فقد يعاني شخص من تنميل أو ضعف في أحد الأطراف، بينما تظهر المشكلة لدى شخص آخر في صورة اضطراب بالتوازن أو الحركة أو الرؤية أو الوعي.
ولا يعني مصطلح الخلل العصبي بالضرورة الإصابة بمرض مزمن أو فقدان القدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية؛ فالتأثير يعتمد بصورة أساسية على السبب ونوع الحالة ومدى الاستجابة للعلاج.
ماذا تعني نوبات الغياب التي أُعلن عنها في حالة موسيالا؟
النوبات التي وُصفت في التقارير المتعلقة بموسيالا بأنها نوبات غياب قصيرة تشير إلى فترات وجيزة يحدث خلالها اضطراب في الوعي أو الانتباه نتيجة نشاط كهربائي غير طبيعي ومؤقت في الدماغ.
وقد لا تكون هذه النوبات واضحة للمحيطين بالشخص، لأنها لا تظهر دائمًا في صورة تشنجات قوية. فقد يبدو المصاب للحظات وكأنه توقف عن متابعة ما يدور حوله، أو يحدق في اتجاه معين ولا يستجيب بصورة طبيعية، ثم يعود إلى حالته المعتادة سريعًا بعد انتهاء النوبة.
وفي بعض الحالات يمكن أن تصاحبها حركات متكررة بسيطة، مثل رمش العينين أو بعض حركات الفم، لكن شكل النوبة يختلف باختلاف نوعها والحالة العصبية التي تقف وراءها.
ومن المهم عدم اعتبار كل سقوط داخل الملعب نوبة عصبية؛ ففقدان الوعي يمكن أن تكون له أسباب متعددة، بعضها عصبي وبعضها مرتبط بالقلب أو الدورة الدموية أو الإصابات أو عوامل أخرى.
لماذا يجب أن يهتم لاعبو كرة القدم بالأعراض العصبية؟
كرة القدم ليست مجرد نشاط بدني يعتمد على الجري، وإنما تتضمن احتكاكًا مستمرًا، وتغيرًا سريعًا في الاتجاه، وقفزًا، وسقوطًا، وتصادمات بين اللاعبين، إضافة إلى الضربات المتكررة بالرأس.
وتجعل هذه العوامل إصابات الرأس والارتجاج من الموضوعات المهمة في الطب الرياضي، خصوصًا عندما يتعرض اللاعب لضربة قوية أو تصادم ثم تظهر عليه علامات غير معتادة.
ولا يعني ذلك أن كرة القدم تؤدي تلقائيًا إلى الإصابة باضطراب عصبي، كما لا يمكن اعتبار ممارسة الرياضة سببًا مباشرًا لنوبات الغياب لدى لاعب بعينه. لكن طبيعة اللعبة تجعل حماية الدماغ ومراقبة أي أعراض عصبية بعد الإصابات أمرًا ضروريًا.
إصابات الرأس من أهم المخاطر التي تستحق الانتباه
يمكن أن تحدث إصابة الرأس أثناء الالتحام مع لاعب آخر، أو نتيجة السقوط على أرض الملعب، أو الاصطدام بالعارضة أو الأرض، أو خلال محاولة لعب الكرة بالرأس.
وقد يؤدي الارتجاج، وهو أحد أنواع إصابات الدماغ الرضية، إلى حدوث تغير مؤقت في طريقة عمل الدماغ. وتزداد أهمية الأمر عندما تتكرر الإصابات أو يتجاهل اللاعب الأعراض ويعود إلى اللعب قبل الحصول على التقييم الطبي المناسب.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه بعد إصابة الرأس: الصداع، والدوخة، واضطراب التوازن، والتشوش، وصعوبة التركيز، ومشكلات الذاكرة، واضطرابات الرؤية أو السمع، بالإضافة إلى تغيرات في الحركة أو الإحساس.
لذلك لا ينبغي للاعب أن يعتبر الشعور بالارتباك أو الدوخة بعد اصطدام قوي أمرًا طبيعيًا يمكن تجاهله لمجرد قدرته على الوقوف والاستمرار في المباراة.
هل المجهود العنيف يسبب الخلل العصبي؟
ليس من الصحيح اختزال العلاقة بين الرياضة والاضطرابات العصبية في فكرة أن المجهود البدني الشديد يسبب الخلل العصبي مباشرة.
قد تظهر بعض الأعراض خلال المباراة لأنها الفترة التي يكون فيها اللاعب تحت مجهود بدني وتركيز مرتفعين، لكن توقيت ظهور العرض لا يكفي وحده لمعرفة سببه. كما يمكن أن تكشف المنافسات الرياضية مشكلة صحية كانت موجودة من قبل ولم تكن واضحة.
ولهذا فإن اللاعب الذي يعاني من فقدان متكرر للوعي، أو نوبات غريبة، أو اضطراب مفاجئ في التوازن أو الحركة أو الإدراك، يحتاج إلى تقييم طبي بدلًا من تفسير الأمر باعتباره مجرد إجهاد.
علامات عصبية لا ينبغي للاعب تجاهلها
هناك مجموعة من الأعراض التي تستدعي الانتباه، خصوصًا إذا ظهرت بصورة مفاجئة أو تكررت أثناء التدريب والمباريات، ومنها:
دوخة متكررة أو فقدان التوازن.
صداع غير معتاد أو متكرر.
تنميل أو تغير واضح في الإحساس.
ضعف عضلي أو صعوبة في التحكم بالحركة.
رعشة أو حركات لا إرادية.
اضطراب الرؤية أو ازدواجها.
صعوبة في الكلام أو فهم ما يقال.
ارتباك مفاجئ.
تغير ملحوظ في التركيز أو الذاكرة.
فقدان الوعي أو اضطراب مؤقت في الإدراك.
صعوبة في تنسيق حركة الجسم مع الرؤية.
تغيرات غير معتادة في السلوك أو الاستجابة للمحيط.
ولا يشترط اجتماع هذه العلامات كلها حتى يصبح الفحص الطبي ضروريًا، فطبيعة العرض وتكراره والظروف التي يظهر فيها عوامل مهمة في تحديد مدى الحاجة إلى التقييم.
كيف يكتشف الطبيب سبب المشكلة؟
لا يستطيع الطبيب تحديد طبيعة الاضطراب العصبي من مشاهدة سقوط اللاعب فقط. يبدأ الأمر عادة بجمع تفاصيل دقيقة حول الواقعة: ماذا حدث قبل الأعراض؟ وكم استمرت؟ وهل كان اللاعب واعيًا؟ وهل استجاب لمن حوله؟ وهل ظهرت حركات غير طبيعية؟ وهل سبقتها إصابة في الرأس؟
بعد ذلك يمكن إجراء فحص عصبي لتقييم الحركة والإحساس والتوازن وردود الأفعال ووظائف أخرى بحسب الحالة.
وقد يحتاج الطبيب إلى تحاليل دم، أو تخطيط كهربائي للدماغ، أو تصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية، كما يمكن استخدام تخطيط العضلات ودراسات توصيل الأعصاب في بعض الحالات.
وعندما يكون هناك اشتباه في نوبات مرتبطة بنشاط كهربائي غير طبيعي في الدماغ، يمكن أن يكون تخطيط كهرباء الدماغ من الفحوص المهمة للمساعدة في فهم طبيعة النشاط العصبي.
كيف يُعالج الخلل العصبي؟
العلاج يعتمد بالكامل تقريبًا على التشخيص النهائي، ولذلك لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الحالات التي تندرج تحت مسمى الاضطرابات العصبية.
إذا ثبت وجود نوبات عصبية، فقد يصف طبيب الأعصاب أدوية مخصصة للسيطرة عليها وتقليل احتمال تكرارها، ويحدد نوع العلاج وفقًا لطبيعة النوبات ونتائج الفحوص والحالة الصحية العامة.
أما المشكلات العصبية الأخرى فقد تحتاج إلى أدوية مختلفة، أو جلسات علاج طبيعي لتحسين الحركة والتوازن، أو علاج وظيفي، أو تدخلات أخرى وفقًا للسبب.
وفي حالة الرياضي المحترف، يتجاوز العلاج مجرد السيطرة على الأعراض؛ إذ يجب التأكد أيضًا من أن اللاعب قادر على أداء مهامه بأمان، وأن حالته لا تعرضه أو زملاءه لخطر إضافي أثناء المنافسة.
متى يستطيع لاعب كرة القدم العودة إلى الملعب؟
العودة إلى اللعب بعد ظهور أعراض عصبية ليست قرارًا يتخذه اللاعب بمفرده، ولا ينبغي أن تعتمد على شعوره بأنه أصبح أفضل فقط.
ويحتاج الفريق الطبي إلى معرفة التشخيص، ومدى السيطرة على الأعراض، واحتمال تكرارها، وتأثيرها المحتمل على الوعي والتوازن وسرعة الاستجابة، فضلًا عن خطر تعرض اللاعب لإصابة جديدة.
وفي حالات الاشتباه في الارتجاج، تكون العودة إلى اللعب أكثر حساسية، ويجب إبعاد اللاعب عن المنافسة عند الاشتباه في الإصابة إلى أن يخضع للتقييم الطبي المناسب ويحصل على تصريح بالعودة وفق حالته.