حين تتحول النفقة من حق يفترض أن يحمي استقرار الأسرة إلى وسيلة للصراع بين الزوجين، تجد الأم نفسها أمام مسؤوليات يومية لا تتوقف، بينما تبدأ رحلة البحث عن حقها وحقوق أبنائها بين أحكام النفقة وإجراءات التنفيذ ودعاوى المتجمد، وفي المقابل، قد يتمسك الزوج بعدم قدرته على السداد أو يطلب تخفيض المبلغ بدعوى تغير ظروفه المالية.
لكن القانون لم يترك تقدير النفقة للرغبات أو للأرقام الثابتة، وإنما وضع قواعد لتحديدها وتنفيذ الأحكام الصادرة بشأنها، مع ضمان حد أدنى يلبي الاحتياجات الضرورية للمستحقين.
النفقة تقدر بحسب حالة الزوج
تنص المادة 16 من القانون رقم 25 لسنة 1929 على أن نفقة الزوجة تقدر بحسب حال الزوج وقت استحقاقها يسراً أو عسراً، على ألا تقل في حالة العسر عن القدر الذي يفي بحاجتها الضرورية. كما أجاز النص للقاضي فرض نفقة مؤقتة للزوجة وصغارها خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين من تاريخ رفع الدعوى، متى توافرت شروط الاستحقاق.
دخل الزوج ليس الراتب فقط
عند نظر دعوى النفقة، تبحث المحكمة في قدرة الملتزم بها وظروفه المالية، وفق ما يقدم إليها من مستندات ووسائل إثبات، ولذلك فإن إثبات دخل أقل من الدخل الحقيقي لا يعني تلقائيًا حسم قيمة النفقة، إذا قدم الطرف الآخر ما يدعم وجود مصادر دخل أو يسار مالي أكبر.
هل يمكن تخفيض النفقة؟
يمكن إعادة النظر في قيمة النفقة عند تغير الظروف التي بني عليها الحكم، سواء تغيرت احتياجات المستحقين أو طرأ تغير مؤثر على حالة الملتزم بها، ويظل تقدير ذلك من اختصاص المحكمة وفق المستندات والأدلة المقدمة إليها.
القانون وضع حدًا للحجز على راتب الزوج
حدد قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، رقم 1 لسنة 2000، نسب الحجز على المرتبات والأجور والمعاشات وفاءً بديون النفقة والأجور وما في حكمها.
وتبدأ النسب من 25% للزوجة أو المطلقة، وتصل إلى نسب أعلى بحسب تعدد الزوجات وعدد الأولاد ووجود الوالدين من المستحقين، وفي جميع الأحوال لا يجوز أن تتجاوز النسبة الإجمالية التي يجوز الحجز عليها 50%، ويتم توزيعها بين المستحقين بحسب ما حكم به لكل منهم.
ماذا يحدث عند الامتناع عن تنفيذ الحكم؟
إذا صدر حكم نهائي بالنفقة وامتنع المحكوم عليه عن تنفيذه رغم قدرته على السداد، أجازت المادة 76 مكرر من القانون رقم 1 لسنة 2000 للمحكوم له اللجوء إلى المحكمة التي أصدرت الحكم أو التي يجري التنفيذ في دائرتها، فإذا ثبتت قدرة المحكوم عليه على الأداء وأمرته المحكمة بالسداد ولم يمتثل، جاز الحكم بحبسه مدة لا تزيد على 30 يومًا، دون الإخلال بطرق التنفيذ الأخرى.
الحبس ليس بمجرد التأخر في دفع قسط
وهنا يجب التفرقة بين إجراءات حبس المتجمد أمام محكمة الأسرة وبين الجريمة المنصوص عليها في المادة 293 من قانون العقوبات.
فالمادة 293، بعد تعديلها بالقانون رقم 6 لسنة 2020، تعاقب من صدر ضده حكم واجب النفاذ بالنفقة وامتنع عن الدفع مع قدرته عليه لمدة ثلاثة أشهر بعد التنبيه عليه بالدفع، بالحبس مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تتجاوز 5 آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين، ولا تتحرك الدعوى إلا بناءً على شكوى أو طلب من صاحب الشأن وفقًا للنص.
ماذا لو كان الزوج غير موظف؟
عدم وجود راتب ثابت لا يعني سقوط الالتزام بالنفقة. ونظم القانون حالة المحكوم عليه من غير ذوي المرتبات أو الأجور أو المعاشات، إذ يلتزم بإيداع المبلغ المحكوم به في خزانة بنك ناصر الاجتماعي أو الجهة التي حددها القانون، متى تم التنبيه عليه بالوفاء.
بنك ناصر.. طريق آخر لتنفيذ حكم النفقة
أنشئ صندوق نظام تأمين الأسرة بموجب القانون رقم 11 لسنة 2004، ويتولى بنك ناصر الاجتماعي صرف النفقات والأجور وما في حكمها للمستحقين الذين صدرت لهم أحكام قضائية، وفق القواعد والمستندات المحددة. ويشترط للصرف تقديم الحكم المذيل بالصيغة التنفيذية وإعلانه قانونًا ومستندات أخرى بحسب الحالة.
الأولوية في حالة تعدد الديون
إذا تزاحمت ديون النفقة مع ديون أخرى، وضع القانون ترتيبًا للأولوية؛ فتأتي نفقة الزوجة أو المطلقة، ثم نفقة الأولاد، ثم نفقة الوالدين، ثم نفقة الأقارب، ثم الديون الأخرى، وفقًا للمادة 77 من القانون رقم 1 لسنة 2000.
النفقة حق وليست منحة
التهرب من السداد أو الادعاء بانخفاض الدخل لا يحسم النزاع وحده؛ فالمحكمة هي التي تقدر النفقة وفق حالة الملتزم بها واحتياجات المستحقين والأدلة المقدمة إليها. وفي المقابل، لا يجوز افتراض قدرة الزوج المالية لمجرد امتلاكه مظهرًا اجتماعيًا معينًا دون دليل.
أما عند صدور حكم واجب النفاذ، فالقانون وفر عدة وسائل للتنفيذ، تبدأ بالحجز وفق الحدود المقررة، وتمتد إلى إجراءات التنفيذ عن طريق بنك ناصر، وقد تصل ــ عند توافر شروطها ــ إلى الحبس، بما يضمن ألا يتحول امتناع أحد الطرفين عن السداد إلى وسيلة لإهدار حقوق الزوجة أو الأبناء.