لم تعد كاميرات المراقبة مجرد وسيلة لتأمين الشوارع أو المحال التجارية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شاهد صامت لا يغفل التفاصيل. ففي كثير من الجرائم التي بدت في بدايتها غامضة، كانت دقائق مصورة كفيلة بقلب مسار التحقيق، وكشف هوية الجناة، وإسقاط روايات حاول المتهمون ترويجها لإبعاد الشبهات عن أنفسهم.
وأصبحت جهات التحقيق تعتمد على تسجيلات كاميرات المراقبة باعتبارها أحد أهم الأدلة الفنية، إذ تساعد في تتبع تحركات المتهمين، وتحديد توقيت وقوع الجريمة، وربط الوقائع ببعضها، فضلًا عن مطابقة أقوال الشهود والمتهمين مع ما وثقته العدسات.
مقتل طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف
ومن أبرز القضايا التي لعبت فيها الكاميرات دورًا حاسمًا، قضية مقتل طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف.
فقد وثقت كاميرات المراقبة لحظة وصول المتهم إلى محيط الجامعة، وترصده للمجني عليها، ثم تنفيذ الجريمة أمام بوابة الجامعة، وهو ما دعم تحقيقات النيابة العامة، وأكد توافر سبق الإصرار والترصد، ليصبح التسجيل المصور أحد أبرز أدلة القضية.
وفي قضية مقتل الطالب محمود البنا، المعروف إعلاميًا بـ"شهيد الشهامة"، استعانت جهات التحقيق بتسجيلات كاميرات المراقبة الموجودة في محيط مكان الواقعة، والتي ساعدت في إعادة رسم خط سير المتهمين، ومطابقة أقوال الشهود مع تسلسل الأحداث، لتكون من بين الأدلة التي دعمت ملف القضية أمام المحكمة.
مقتل اللواء نبيل فراج
كما لعبت الكاميرات دورًا بارزًا في قضية مقتل اللواء نبيل فراج أثناء مأمورية فض اعتصام بمنطقة كرداسة عام 2013، إذ اعتمدت المحكمة على مقاطع فيديو وتسجيلات مصورة ضمن الأدلة التي وثقت وجود عدد من المتهمين في محيط الأحداث، إلى جانب أدلة أخرى، وأسهمت في تكوين الصورة الكاملة للواقعة.
ولم تقتصر أهمية الكاميرات على جرائم القتل، بل ساهمت في كشف عشرات وقائع السرقة والخطف والاعتداء، حيث قادت تسجيلات كاميرات الشوارع والمحال والعقارات رجال المباحث إلى تحديد هوية المتهمين، وتتبع خطوط سيرهم، وضبطهم خلال وقت قصير.
ويؤكد خبراء الأدلة الجنائية أن قيمة الكاميرات لا تكمن فقط في تصوير الجريمة، بل في توثيق ما قبلها وما بعدها؛ إذ قد تكشف وسيلة هروب المتهم، أو السيارة المستخدمة، أو الأشخاص الذين تواصل معهم، وهو ما يساعد في استكمال خيوط التحقيق.
ورغم محاولات بعض الجناة إخفاء وجوههم أو تعطيل الكاميرات، فإن انتشار أنظمة المراقبة في الشوارع والمنشآت جعل الإفلات من الرصد أكثر صعوبة، خاصة مع استخدام تقنيات تحسين جودة الصور وربط التسجيلات من أكثر من موقع للوصول إلى التسلسل الكامل للأحداث.
وتؤكد الوقائع أن الكاميرا قد لا تمنع وقوع الجريمة، لكنها كثيرًا ما تمنع إفلات مرتكبها من العقاب، بعدما أصبحت شاهدًا لا ينسى، يحتفظ بالحقيقة كما وقعت، ويضعها أمام جهات التحقيق دون زيادة أو نقصان.