داخل مصنع مصري يصدر الحديد إلى أوروبا، لم يعد التحدي هو جودة المنتج أو سعره فقط، بل كمية الكربون المنبعثة أثناء إنتاجه، فابتداءً من تطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، أصبح على الشركات أن تثبت أيضًا حجم الانبعاثات الكربونية الناتجة عن تصنيع منتجاتها، وإلا ستواجه رسومًا إضافية قد تقلل قدرتها على المنافسة.
بالنسبة لقطاعات مثل الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة، لا تبدو القضية بيئية فقط، بل اقتصادية أيضًا، فالاتحاد الأوروبي يعد شريك تجاري أساسى لمصر، بينما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 27% من الانبعاثات العالمية ترتبط بإنتاج ونقل السلع المتداولة دوليًا، وهو ما دفع أوروبا إلى إنشاء آلية CBAM.
وفى حين ينظر كثير من المصنعين إلى هذه الآلية باعتبارها عبئًا جديدًا على الصادرات، يرى باحثون وصناع سياسات أن بإمكان مصر تحويلها إلى فرصة لإعادة هيكلة الصناعة الوطنية، إذا نجحت في بناء منظومة متكاملة للبيانات والتمويل والتشريعات الداعمة للتحول الأخضر.
هذه الرؤية كانت محور مشاورات نظمها مشروع مستقبل التنمية الشاملة في مصر (FIDE) بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهو مشروع بحثي تنموى يمتد ثلاث سنوات بتمويل سويسري، ويهدف إلى دعم السياسات المرتبطة بالتحول الأخضر والتوصل لاستراتيجية من أجل التعامل مع آلية CBAM.
وفى هذا الشأن، قالت د. غادة برسوم، أستاذ ورئيس قسم السياسات العامة والإدارة بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ومسؤول مكون الاستدامة بالمشروع، إن هذه المبادرة تركز على الوصول الي توصيات قابلة للتنفيذ من خلال كتابة أوراق سياسات باللغة العربية، وموجزات سياسات، وتعمل على دعم التحول نحو الاستدامة البيئية، من خلال توجيه الاهتمام التحليلي إلى تحديات التحول الأخضر، ومؤشرات البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة، والبنية التحتية لأسواق الكربون في ظل اللوائح الدولية الخاصة بالمناخ.
وأضافت برسوم، أن المبادرة تعمل على تنظيم جلسات مشاورة على مستوى السياسات للتوصل إلى استراتيجيات تسهل التحول الأخضر وتبنى تقنيات الطاقة المتجددة، والتى تجمع كبار صناع السياسات، وأعضاء السلطة التشريعية، وممثلي القطاع الخاص، وشركاء التنمية، والأكاديميين، لتحديد أولويات الأسئلة البحثية، والتحديات التنظيمية، والإجراءات السياسية المطلوبة، وتوفير دعم تجريبي للنقاشات البرلمانية المتعلقة بإزالة الكربون وتعزيز القدرة على الصمود في مجال التجارة.

آلية CBAM
ماذا تواجه الشركات المصرية وتحتاج للاستعداد له؟
في هذا السياق، حذر د. هاني قداح، خبير الأسواق والمدير التنفيذي لغرفة صناعة الملابس الجاهزة، من أن بعض الشحنات التصديرية بدأت تواجه بالفعل مشكلات مرتبطة بمتطلبات شهادة الكربون، موضحًا أن بعض الأسواق الأوروبية أصبحت تشترط استيفاء هذه المتطلبات قبل دخول المنتجات، بينما لا تزال أسواق أخرى تمنح فترة انتقالية تمتد حتى عام 2027.
وأوضح، أن إصدار تقارير الامتثال لـ CBAM يتطلب مراجعة من جهات أو خبراء معتمدين للتحقق من حجم الانبعاثات الكربونية بالمصنع، وهو ما يفرض على الشركات البدء في تحسين كفاءة الطاقة وخفض استهلاكها.
وأشير إلى أن البداية لا تتطلب دائمًا استثمارات ضخمة، إذ يمكن للمصانع البدء بتحسين كفاءة استهلاك الكهرباء، واستخدام الإضاءة الموفرة للطاقة، وإعادة استخدام المياه، والتوسع تدريجيًا في الاعتماد على الطاقة الشمسية، وهي إجراءات تقلل الانبعاثات وتحسن فرص الامتثال لمتطلبات CBAM، مضيفا أن المغرب خير نموذج على ذلك حيث إنها نجحت في المضي قدما فيما يخص الإجراءات البيئية المطلوبة.
المشكلة ليست فى الكربون... بل في البيانات
رغم أن الشركات المصرية بدأت تتعامل تدريجيًا مع متطلبات الاستدامة، فإن العقبة الأساسية لا تزال تتمثل في غياب البيانات الدقيقة عن الانبعاثات الكربونية، حيث أظهرت ورقة بحثية بعنوان "هل مصر مستعدة لآلية تعديل الكربون الحدودية للاتحاد الأوروبي؟ أدلة من بيانات على مستوى الشركات"، والتي تم نشرها أغسطس 2025 في مجلة Springer nature ، أن هناك أزمة حقيقية فيما يخص بيانات الانبعاثات لدى الشركات.
اعتمدت الدراسة على بيانات 455 شركة مصرية في القطاعات الأكثر تأثرا بآلية CBAM، في محاولة الإجابة عن سؤال: هل مصر مستعدة للتعامل مع الآلية؟ توضح الباحثة الرئيسية. د. ياسمين كمال، أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة ، أن نسبة محدودة فقط من هذه الشركات تقوم بقياس استهلاك الطاقة أو إعداد تقارير بيئية بصورة منتظمة، بينما تفتقر غالبية الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، إلى أنظمة قياس الانبعاثات والإبلاغ عنها.
وأضافت، أن المشكلة لا تتعلق بالامتثال للاتحاد الأوروبي فقط، وإنما بغياب قاعدة بيانات وطنية يمكن أن تستند إليها الدولة في رسم سياساتها الصناعية والبيئية.
بناء نظام وطني للانبعاثات.. خطوة أولى للتعامل مع CBAM
كشفت د رنا هندي، الأستاذ المساعد بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن الحل الذي حظي بأوسع توافق خلال المشاورات كان إنشاء نظام وطني للرصد والإبلاغ والتحقق (MRV)، يربط الجهات الحكومية والقطاع الخاص في منصة موحدة، تسمح بقياس الانبعاثات بصورة دقيقة وموثقة.
وأضافت أن هذا المقترح يستند إلى وجود بنية مؤسسية يمكن البناء عليها، أبرزها وحدة التحقق والاعتماد البيئي التي أنشئت داخل الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات عام 2023، إلى جانب مبادرات تنفذها الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) والبنك الدولي، مؤكدة أن امتلاك مصر لبياناتها الخاصة سيمنحها قدرة أكبر على التفاوض، بدلًا من الاعتماد على تقديرات أو قواعد بيانات خارجية.
مصانع الكيماويات تستعد لـ CBAM
تحركت بالفعل مصانع الكيماويات فى هذا الاتجاه، حيث أكد خالد أبو المكارم، رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، أن المجلس تحرك مبكرا للاستعداد لتطبيق آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM)، إدراكا لأهمية السوق الأوروبية التي تعد الشريك التجاري الأكبر والأهم لصادرات القطاع، إذ تستحوذ دول الاتحاد الأوروبي على نحو 40% من إجمالي صادرات الصناعات الكيماوية المصرية.
وقال أبو المكارم إن إعلان الاتحاد الأوروبي عن تطبيق الآلية دفع المجلس إلى تكثيف جهوده لرفع جاهزية الشركات المصدرة، من خلال تنظيم عدد كبير من ورش العمل والبرامج التدريبية للتعريف بمتطلبات الآلية وآليات الامتثال للضوابط الأوروبية، إلى جانب المشاركة في اللجنة الوزارية المعنية بمتابعة تطبيق CBAM، بما يضمن استعداد الشركات المصرية للتعامل مع المنظومة الجديدة دون التأثير على قدرتها التنافسية.
وأضاف أن المجلس عمل أيضا على تدريب كوادر من الجهاز التنفيذي على حساب البصمة الكربونية للمنتجات، بهدف تقديم الدعم الفني للشركات المصدرة ومساعدتها في استيفاء المتطلبات الأوروبية، مؤكدا أن الالتزام بالمعايير البيئية ومتطلبات الاستدامة لا يمثل تحديا فقط، بل يفتح فرصا كبيرة لزيادة حصة المنتجات المصرية داخل السوق الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
وأشار إلى أن قطاع الصناعات الكيماوية يشهد توجها واضحا نحو تحسين كفاءة استخدام الطاقة والتوسع في تطبيق تقنيات إنتاج أكثر استدامة، في ظل الاهتمام المتزايد من الأسواق العالمية بالمعايير البيئية، لافتا إلى أن المجلس يتبنى رؤية لدعم الشركات في التحول إلى استخدام الطاقة النظيفة وتطوير خطوط الإنتاج، إلا أن هذه الخطوات تتطلب استثمارات وتكاليف إضافية، وهو ما يستدعي توفير برامج ومبادرات حكومية لمساندة القطاع في تنفيذ هذا التحول.
وأوضح أبو المكارم أن القطاع يشهد أيضا توجها متزايدا نحو توطين الصناعات الكيماوية المتقدمة القائمة على التكنولوجيا الحديثة، بما يسهم في رفع القيمة المضافة وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة المصرية، مشيرا إلى أن السنوات الخمس الماضية شهدت دخول استثمارات جديدة من شركات صينية وتركية ودول أخرى، وهو ما سينعكس إيجابا على نمو الإنتاج وزيادة الصادرات خلال الفترة المقبلة.
التمويل... العقبة الأكبر أمام التحول الأخضر
لكن امتلاك البيانات وحده لا يكفي، فالدراسة التي أجريتها د. ياسمين كمال عن استعداد مصر لآلية تعديل الكربون الحدودية للاتحاد الأوروبي، كشفت أيضا أن نحو 17% من الشركات تواجه قيودًا تمويلية تحد من قدرتها على الاستثمار في المعدات والتقنيات منخفضة الانبعاثات، بينما تجعل أسعار الفائدة المرتفعة تكلفة التحول الأخضر أكبر بكثير مقارنة بالمنافسين الأوروبيين، حيث تؤدي أسعار الفائدة على القروض، التي تقترب من 20٪، إلى جعل الاستثمارات الرأسمالية اللازمة لإزالة الكربون مرتفعة التكلفة، كما تؤثر القيود المالية سلبًا على قدرة الشركات على تنفيذ الاستثمارات الخضراء كثيفة رأس المال، مثل تحديث الآلات والمعدات والمركبات.
وتابعت الدراسة، أنه على الرغم من توافر برامج التمويل الميسر التي تقدمها بنوك التنمية، فإن الاستفادة منها لا تزال محدودة بسبب ضعف الحوافز، بالإضافة إلى أن العديد من الشركات لا تمتلك الجدارة الائتمانية اللازمة للحصول على هذا التمويل.
وفى هذا الشأن، ناقشت المشاورات التي أجريتها المبادرة البحثية بالجامعة الأمريكية، الحاجة إلى آلية تمويل مخصصة للتحول الأخضر، والتي يمكن أن يقودها البنك المركزي المصري بالتعاون مع بنوك التنمية الدولية، مع توفير منح ومساعدات فنية للشركات، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ويرى المشاركون من الخبراء، أن نجاح أي سياسة مناخية سيظل محدودًا إذا لم يقترن بإتاحة تمويل ميسر يسمح للشركات بتحديث خطوط الإنتاج.
غير أن المشاركين أكدوا أيضا أن التمويل وحده لن يحل المشكلة، إذ يظل وجود نظام موثوق لقياس الانبعاثات شرطًا أساسيًا للحصول على كثير من برامج التمويل الأخضر.

متطلبات الـcbam
قانون جديد لتنظيم سوق الكربون
كشف عضو مجلس النواب الدكتور أحمد فايد، أن صياغة استراتيجية وطنية استباقية تمثل أداة رئيسية لحماية القدرة التنافسية للصناعة المصرية، وضمان استمرار الصادرات في الأسواق الأوروبية مع تقليل المخاطر المرتبطة بتطبيق CBAM، وتعزيز الانتقال نحو اقتصاد مستدام ومنخفض الانبعاثات.
واستعرض الدكتور أحمد فايد أول مشروع قانون مصري لتنظيم حوكمة الكربون، حيث يهدف القانون إلى إنشاء إطار وطني متكامل لتنظيم انبعاثات الكربون، بما يدعم الاقتصاد الدائري المستدام، ويتماشى مع المعايير البيئية الدولية المتقدمة، كما يسعى إلى توظيف العوائد الاقتصادية الناتجة عن هذا الإطار لتعزيز كفاءة الشركات، ودعم المجتمعات الأكثر تأثرًا بتغير المناخ، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية في الأسواق العالمية.
وتابع فايد، أن هذا القانون يتضمن إنشاء نظام وطني للرصد والإبلاغ والتحقق، وآلية لتسعير الكربون، وسوقًا لتداول أرصدة الكربون، بالإضافة إلى حوافز مالية لدعم الشركات وتمويل مشروعات خفض الانبعاثات.
وأوضح فايد، أن مشروع القانون حصل بالفعل على توقيعات أكثر من عُشر أعضاء مجلس النواب، تمهيدًا لإدراجه على جدول أعمال البرلمان، مؤكدا أن وجود إطار تشريعي واضح سيمنح المستثمرين والصناعة رؤية أكثر استقرارًا بشأن مستقبل الاقتصاد منخفض الكربون في مصر.
لكن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات
لكن وجود تشريع وتمويل لا يعنى بالضرورة أن الطريق أصبح ممهدا، حيث كشفت د. غادة برسوم، أنه رغم توافق المشاركين في المشاورات على الاستراتيجية الجديدة وعلى أهمية التحرك السريع، إلا أنهم أشاروا إلى عدد من التحديات التي قد تعرقل التنفيذ، فلا يزال هناك جدل حول الجهة التي ستقود منظومة حوكمة الكربون، وكيفية التنسيق بين الوزارات المختلفة، وما إذا كان ينبغي إصدار قانون مستقل للكربون أو دمجه ضمن قانون البيئة.
وأضافت برسوم، أنه تبين أن غياب نموذج موحد لإعداد تقارير الاستدامة، وضعف وعي كثير من الموردين بمتطلبات CBAM، وارتفاع تكلفة الامتثال، كلها عوامل قد تؤخر جاهزية الشركات المصرية.

فريق الخبراء وراء الاستراتيجية بإحدى جلسات الجامعة الأمريكية
من رد الفعل إلى صناعة الفرصة
ربما كانت أهم رسالة خرجت بها المشاورات المدرجة في فصول التحول الأخضر لمصر بكتاب السياسات المقبل لمبادرة الجامعة الأمريكية، هو أن التعامل مع CBAM لا ينبغي أن يكون باعتباره أزمة أوروبية تُفرض على مصر، بل فرصة لإعادة هيكلة الصناعة الوطنية، فبدلًا من الاكتفاء بمحاولة تجنب الرسوم الأوروبية، دعا المشاركون إلى وضع أهداف بيئية مصرية واضحة، وربط سياسات الصناعة والاستثمار والاستدامة في إطار واحد، بما يجعل التحول الأخضر جزءًا من استراتيجية التنمية الاقتصادية، وليس مجرد استجابة لضغوط خارجية.
ربما لم يعد السؤال هو ما إذا كانت مصر ستتأثر بآلية CBAM، فالتأثير بدأ بالفعل، السؤال الحقيقي هو: هل ستدخل الصناعة المصرية هذا التحول وهي مستعدة، أم ستكتفي بملاحقة قواعد يضعها الآخرون؟ وبين هذين الاحتمالين، تبدو البيانات والتمويل والتشريع ثلاثة مفاتيح قد تحدد مستقبل الصادرات المصرية في الأسواق الأوروبية.