إذا كانت مؤسسات الدولة باتت تعمل في إطار شبكي حتى تتمكن من مجاراة الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة الراهنة لم يعد يتعلق بكيفية التنسيق بينها، بقدر ما يتعلق بالكيفية التي تعمل بها هذه البنية التشغيلية ذاتها، في ظل التدفق المستمر للمعلومات، وتداخل الاختصاصات، والتزايد المطرد في حجم التحديات وتعقيدها.
فخلال العقود الماضية، غلب على عمل مؤسسات الدولة الطابع الهرمي، إذ كانت كل مؤسسة تمارس اختصاصاتها داخل نطاقها المحدد، بينما يتركز التنسيق المشترك عند قمة الهرم المؤسسي، التي تتولى الربط بين المؤسسات المختلفة وصولا إلى القرار النهائي المرتبط بكل أزمة، غير أن هذا النمط لم يعد كافيا للتعامل مع البيئة الراهنة، التي تتطلب سرعة أكبر في تداول المعلومات، ومرونة أعلى في الاستجابة، بما يفرض انتقال عملية إنتاج الاستجابة من مسار هرمي واحد إلى منظومة تشغيلية متعددة المسارات، تجمع بين التواصل البيني المباشر بين المؤسسات، والتنسيق الرأسي مع المستوى القيادي الذي يدير المنظومة بأكملها.
فالبنية التشغيلية لا تستبدل الهرمية بالشبكية، وإنما تعيد دمجهما في منظومة واحدة، بحيث يظل المستوى القيادي مسؤولا عن توجيه المسار العام، بينما تتولى المؤسسات إدارة التفاعلات اليومية فيما بينها بصورة متزامنة، حيث تبقى القمة هي المسؤول عن اتخاذ القرار والتواصل مع العالم الخارجي، بناء على ما يرد إليها من معلومات سواء من المؤسسة صاحبة الاختصاص أو المؤسسات الأخرى.
وهنا نجد أن الدولة تعمل عبر مستويين متكاملين، أولهما شبكة تشغيلية تدير التفاعلات اليومية بين المؤسسات، بينما تبقى هناك قيادة هرمية تتولى توجيه المنظومة واتخاذ القرار النهائي في ضوء المخرجات التي تنتجها هذه الشبكة، مما يثير تساؤلًا آخر يتعلق بطبيعة المعلومات التي تتحرك داخلها، وكيف تتحول من بيانات متفرقة تمتلكها مؤسسات مختلفة، إلى معرفة موحدة يمكن البناء عليها في اتخاذ القرار.
والواقع أن عملية إنتاج الاستجابة باتت أشبه بدورة تشغيلية متكاملة، تمر بعدة مراحل متتابعة ومترابطة، تبدأ بالمدخلات التي تتمثل في المعلومات الواردة من مؤسسات مختلفة، حيث تقدم كل مؤسسة جزءا من الصورة وفقا لاختصاصها، ثم تنتقل هذه المدخلات إلى مرحلة الدمج، التي تتحول خلالها البيانات المتفرقة إلى صورة تشغيلية موحدة، قبل أن تبدأ مرحلة المعالجة، عبر تبادل المعلومات، واختبار السيناريوهات المحتملة، وتحديد الأولويات، بما يسمح بإنتاج مخرجات تعكس رؤية أكثر تكاملا لطبيعة التهديد وآليات التعامل معه.
ويمثل الطرح سالف الذكر آلية عمل البنية التشغيلية على المستوى الأفقي بين المؤسسات، حيث لا تنتقل المعلومات باعتبارها بيانات خام، وإنما تتحول تدريجيا إلى مخرجات تشغيلية متكاملة، ترفع إلى المستوى القيادي الذي يتولى توجيه المنظومة واتخاذ القرار النهائي في ضوء ما أفرزته الشبكة المؤسسية من نتائج.
وبهذا المعنى، لا يصبح القرار نتاج مؤسسة بعينها، وإنما وإنما ثمرة دورة تشغيلية متكاملة، تمد المستوى القيادي بالمعرفة اللازمة للمفاضلة بين البدائل واتخاذ القرار النهائي.
ولا يقتصر الاختلاف هنا على تعدد الجهات المشاركة في إنتاج القرار، وإنما يمتد إلى طبيعة القرار ذاته، فلم يعد القرار يمثل استجابة صادرة عن مؤسسة منفردة، وإنما أصبح حصيلة تفاعل مستمر بين عدد من المؤسسات، يساهم كل منها بجزء من المعرفة اللازمة لفهم الأزمة وتقدير مساراتها المحتملة، وبذلك يتحول القرار من فعل إداري منفرد إلى مخرج تشغيلي يعكس عمل المنظومة بأكملها، ويكتسب قوته من تكامل الرؤية التي أفرزته، لا من الجهة التي صدر عنها وحدها.
إلا أن الدورة التشغيلية لا تنتهي بمجرد صدور القرار، وإنما تبدأ معها مرحلة جديدة تتمثل في متابعة نتائج التنفيذ، ورصد ما قد يطرأ من متغيرات أو تطورات على طبيعة التهديدات والأزمات، فالمعلومات التي تنتجها عملية التنفيذ تعود مرة أخرى إلى الشبكة المؤسسية، لتخضع لمرحلة جديدة من الدمج والمعالجة وإعادة تقييم السيناريوهات، بما يسمح بتعديل الاستجابة كلما اقتضت الضرورة.
وبالتالي لا تصبح الاستجابة حدثا ينتهي بإصدار القرار، وإنما عملية تشغيلية مستمرة، تتكيف مع المتغيرات، وتعيد إنتاج نفسها كلما تغيرت طبيعة التهديدات، بما يمنح الدولة قدرا أكبر من المرونة والكفاءة في إدارة بيئة دولية تتسم بالتعقيد وسرعة التحول.
ولعل القيمة الحقيقية للبنية التشغيلية ليست في قدرتها على تسريع الاستجابة فحسب، وإنما في قدرتها على تحويل الخبرة الناتجة عن كل أزمة إلى جزء من الدورة التالية، بما يجعل الدولة أكثر قدرة على التكيف مع بيئة دولية سريعة التحول.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ما سبق باعتباره أحد الأبعاد الرئيسية لما أسميه بـ NAPS أو National Architecture for Policy Sovereignty ( الهندسة الوطنية لسيادة السياسات )، والذي لا ينظر إلى الدولة باعتبارها مجموعة مؤسسات مستقلة، وإنما باعتبارها منظومة تشغيلية متكاملة، تصبح فيها العلاقة بين المؤسسات، وآليات تشغيلها، وتدفق المعلومات فيما بينها، جزءًا من معادلة السيادة ذاتها.
وهنا يمكننا القول بأنه إذا كانت التحولات الدولية قد فرضت على الدول إعادة النظر في أدواتها ومصادر قوتها، فإن NAPS لا يقدم مجرد تصور جديد لإدارة المؤسسات، وإنما يطرح إطارا لفهم الكيفية التي تتحول بها البنية الداخلية للدولة إلى عنصر فاعل في حماية سيادتها، فكما أعادت البيئة الدولية تشكيل مفهوم القوة خارج الدولة، فإن إعادة هندسة العلاقات داخلها أصبحت تمثل الوجه الآخر لهذه التحولات، بما يجعل كفاءة التشغيل والتكامل المؤسسي أحد أهم مقومات القوة في القرن الحادي والعشرين.
إقرأ أيضا
الأوكتاجون.. البنية التشغيلية للدولة في إطار "NAPS”
من الاندماج إلى السيادة.. كيف تعيد "NAPS" تعريف وظيفة الإصلاحات الهيكلية؟
البنية الشبكية للدولة.. “NAPS” وإعادة تعريف مصادر القوة
من "GATT" إلى "GAPS".. تحولات الهيمنة في عصر تسييل السيادة
"GAPS".. كيف تصيغ الحقبة الجديدة شرعيتها؟
من السوق إلى السيادة.. إعادة تعريف العولمة في زمن الـ"GAPS"
فلسفة الـ"GAPS".. السيادة من الغطاء القانونى إلى التعويم