إذا كانت "الهندسة العالمية لسيادة السياسات"، والتي تناولتها اختصارا بـ"GAPS” في مقالي السابق، امتداداً طبيعيا لمفهوم الهيمنة، والذي اتخذ العديد من الأشكال، بدءً من اتفاقية "GATT” لتحرير السلع، ثم "GATS” لتحرير الخدمات، ولكن دون صيغة رسمية، على غرارهما، حيث حظيا بشرعيتهما الدولية، في صورة اتفاقات مكتوبة، حظت بتوقيع وتصديق الدول الأعضاء، فيدور التساؤل الملح حول الكيفية التي تتحقق من خلالها الشرعية للهندسة الجديدة، أو بالأحرى كيف تعزز القوى المهيمنة رؤيتها دون اتفاق دولي، يضمن قدرا واسعا من الالتزام بها؟
والواقع، أنه من المستحيل أن توقع دولة، مهما كانت صغيرة، على اتفاق من شأنه إلزامها بتسييل سيادتها، او التخلى عن جزء منها لصالح قوى أكبر، وبالتالي فيصبح العالم أمام مرحلة يعاد فيها هيكلة المجال السيادي عبر أدوات مختلفة عن الماضي، ليس استعماريا او اقتصاديا أو تجاريا، ولكن عبر كيانات عابرة للحدود مالية وتكنولوجية، فيصبح القرار الداخلي للدولة مشروطا ببنية دولية أوسع تخضع لسيادة القوى المهيمنة.
ولعل الخروج عن هذا الإطار ليس مجرد انسحاب من سوق، كما كان الحال في العقود الماضية، بل يتحول إلى انفصال عن النظام العالمي بأسره، في ظل الارتباط العضوي بين التكنولوجيا، والتمويل، والاتصال، وإدارة البيانات، وكافة المعاملات الحيوية للدولة الحديثة، فالسيادة لم تعد تُنتزع عبر الاحتلال أو تُقايض عبر التجارة، وإنما تُعاد هندستها من الداخل عبر شبكات لا تملك الدول الانفكاك عنها دون كلفة وجودية.
ومن جانب القوى المهيمنة نفسها، فهي لا تتوق في واقع الأمر إلى تحقيق التوافق الدولي على مكانتها، عبر اتفاق او معاهدة، على غرار الماضي، فالتوافق والجلوس على مائدة التفاوض يخلق "ندية" نظرية لم تعد ترغبها القوى الكبرى، وهو ما يترجم ما نشهده في قصور الحكم في بعض الدول من كسر للبروتوكولات ليس فقط تجاه الخصوم وإنما حتى في اطار العلاقة بين الحلفاء انفسهم.
وهنا يتضح جانبا مهما من جوانب الشرعية التي تحظى بها "GAPS”، وهو شرعية "الواقع"، فالدول ليست ملتزمة بوثيقة او معاهدة ولكنها تلتزم بمنظومة كاملة، تتراوح بين سلاسل التوريد ومنظومات الدفع ومنصات التشغيل والمعايير التقنية، وبالتالي لا يعد الأمر مجرد التزاما بقيد التوقيع او التصديق البروتوكولي ولكن في واقع الأمر مرتبط بضرورة البقاء.
إلا أن ثمة وجها آخر، يبدو جوهريا فيما يتعلق بشرعية "GAPS”، لا يعتمد على قبول الدول ولكن يلتف عليها عبر مواطنيهم، فعندما يضغط الفرد على زر "موافق" أسفل قائمة طويلة من الشروط، لا تقرأها الأغلبية الكاسحة من البشر، فهو مشارك في "استفتاء رقمي" يقدم فيه الشرعية للهندسة الجديدة، ليتحول مصدر الشرعية من الدولة، التي لا يمكنها القبول بتسييل سيادتها او المقايضة عليها عبر التوقيع على اتفاق رسمي، إلى الفرد، الذي يرغب في الحصول على مزايا التكنولوجيا.
وإذا كانت "GATT” اعتمدت السلع كاداة للهيمنة عبر نقل المواد الخام إلى مصانع القوى الكبرى لإعادة معالجتها فتصبح منتجات تسيطر بها على الأسواق، فإن المعلومات والبيانات هي المادة الخام في عصر "GAPS”، والمصانع هي الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي، والتي يمكنها تحليل المعلومات والقدرة على التنبؤ، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الوعي العام والبيئة التي يُتخذ فيها القرار من الداخل، بحيث لا يتم التحكم في القرار الوطني بصورة مباشرة، وإنما في المجال الذي يتحرك داخله، وفي الشروط التي تحدد حدوده وإمكاناته، بما يحقق مصالح القوى الكبرى دون تدخل عسكري أو استعمار مباشر أو حتى حصار اقتصادي تقليدي
وإذا كان تدفق المعلومات، على الصورة سالفة الذكر، إمتدادا للعولمة التي أرستها "GATT” وبعدها "GATS”، باعتباره الطبقة الجديدة التي تضيفها حقبة “GAPS”، إلا أنها أقل انفتاحا مما يتصور البعض، وربما أقرب إلى شكل جديد من تركّز القيمة المعرفية لدى القلة.
وهنا يمكننا القول بأن "GAPS” وان كانت امتدادا لمراحل سابقة فيما يتعلق بالهيمنة، إلا أنها تمثل إعادة تعريف للعديد من المفاهيم الدولية المستقر عليها ليس فقط في إطار علاقة الدول ببعضها، ولكن في خلق ارتباط عضوي اكثر شمولا بين الداخل والخارج، يمكن من خلاله اعادة تعريف للشرعية الدولية عبر عولمتها تكنولوجيا، واستخدام أدوات جديدة للسيطرة تتجاوز الاقتصاد والمواد الخام، فاصبحت المعلومة هي الكنز الذي يمكن من خلاله توجيه الدول، ناهيك عن اعادة هيكلة الآليات الدولية نفسها بعيدا عن الصياغة الدولية القائمة على الاتفاقات والمؤسسات والتوقيع والتصديق.