يحب بعض الأشخاص التواجد وسط الناس والتفاعل الدائم مع الآخرين، بينما يفضّل آخرون الهدوء والمساحة الخاصة، لكن أحيانًا يختلط الأمر بين كون الشخص "اجتماعيًا" بطبعه وبين كونه لا يمتلك حدودًا شخصية واضحة، فهناك فرق كبير بين أن تستمتع بالعلاقات والتواصل، وبين أن تسمح للآخرين بتجاوز راحتك واحتياجاتك باستمرار فقط حتى لا ترفضهم أو تُغضبهم، وفي كثير من الأحيان، يكتشف الشخص متأخرًا أنه كان يمنح الآخرين أكثر مما يحتمل على حساب راحته النفسية، وهذا ما اوضحته الدكتورة سلمى أبو اليزيد استشاري الصحة النفسية في حديثها لـ "اليوم السابع".

وضع حدود شخصية
عندما تكون شخصًا اجتماعيًا
واكدت الاستشاري النفسي أن الشخص الاجتماعي لا يخاف من الناس ولا يجد صعوبة في تكوين العلاقات أو بدء الحديث، فهو شخص يستمتع بالأجواء الاجتماعية ويحب مشاركة اللحظات مع الآخرين، لكنه في الوقت نفسه يعرف جيدًا متى يحتاج للراحة أو الابتعاد قليلًا، فهو لا يشعر بأنه مجبر على التواجد طوال الوقت أو إرضاء الجميع، بل يتعامل بعفوية وراحة، كما أن الشخص الاجتماعي يستطيع الاعتذار عن المناسبات أحيانًا دون شعور دائم بالذنب، ويعرف كيف يوازن بين حياته الخاصة وعلاقاته المختلفة دون أن يفقد نفسه وسط الآخرين.

كيفية وضع حدود شخصية
غياب الحدود الشخصية يبدأ بشكل بسيط
أما الشخص الذي يفتقر إلى الحدود الشخصية، قالت ابو اليزيد أنه عادة ما يجد نفسه يقول "نعم" لأشياء لا يريدها فعلًا، قد يوافق على طلبات ترهقه فقط لأنه يخشى إحراج الآخرين أو خسارتهم، ويشعر بتوتر شديد إذا شعر أن أحدًا غاضب منه، ومع الوقت، يبدأ في تقديم راحة الجميع على راحته هو، حتى لو كان ذلك يستهلك طاقته النفسية والعاطفية بالكامل، مؤكدة أن المشكلة هنا ليست في الطيبة أو حب الناس، بل في عدم القدرة على حماية المساحة الشخصية ووضع حدود واضحة لما يقبله وما يرفضه.
سبب الخلط بين الاثنين
قالت استشاري الصحة النفسية أن السبب أن كلاهما متواجد دائمًا، ويساعد الآخرين، ويتفاعل مع الناس باستمرار، لكن الفرق الحقيقي يظهر في المشاعر الداخلية، فالشخص الاجتماعي يشعر بالراحة والاختيار، بينما الشخص الذي يفتقر للحدود يشعر بالاستنزاف والضغط المستمر، الأول يتواصل لأنه يريد ذلك، أما الثاني فيفعل ذلك خوفًا من الرفض أو الشعور بالذنب أو فقدان القبول من الآخرين.

الشخصية الاجتماعية
علامات تدل على أن حدودك تحتاج إعادة ترتيب
وأشارت أن هناك بعض العلامات التي قد تشير إلى أنك تحتاج لوضع حدود أوضح في حياتك، مثل أن تشعر بالإرهاق بعد أي تجمع اجتماعي لأنك تبذل مجهودًا أكبر من راحتك، أو تجد صعوبة شديدة في قول "لا" حتى في الأمور البسيطة، كذلك إذا كنت تبرر قراراتك طوال الوقت أو تسمح للآخرين بالتدخل في خصوصياتك رغم انزعاجك، فهذه إشارات مهمة على أن حدودك ليست واضحة بما يكفي، ومع الوقت، قد يتحول هذا الأمر إلى ضغط نفسي وشعور دائم بالاستنزاف.
الحدود الصحية لا تعني القسوة
قالت استشاري الصحة النفسية أن الكثير يعتقد أن وضع الحدود يجعل الشخص قاسيًا أو أنانيًا، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، الحدود الصحية تحمي العلاقات ولا تدمرها، لأنها تجعل كل طرف يعرف ما الذي يريح الآخر وما الذي يزعجه، كما أنها تساعد الإنسان على الحفاظ على طاقته النفسية والتعامل مع الآخرين براحة أكبر دون شعور بالضغط أو الاختناق، فالشخص المتوازن ليس من يرضي الجميع طوال الوقت، بل من يعرف كيف يكون قريبًا من الناس دون أن يخسر نفسه في الطريق.