تمثل زيارة الرئيس الأمريكي للصين حدثا محوريا يُعيد رسم خريطة التحالفات الدولية، وتهدف هذه الزيارة إلى مقايضة حوافز اقتصادية بمواقف سياسية، حيث يمثل التنافس الأمريكي الصيني الصراع الأبرز في القرن الواحد والعشرون، إذ يتنافس أكبر عملاقين اقتصاديين في العالم على مناطق النفوذ، ويتجاوز هذا التنافس كونه تجاريا، بل يمتد ليشمل الهيمنة التكنولوجية، والتفوق العسكري والتحالفات الدولية..
وتعد العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية أكبر شريان اقتصادي في العالم، حيث تتبادل البلدان سلعا بمئات المليارات سنويا، ورغم التوترات الجيوسياسية والمنافسة التجارية المستمرة، تظل الصين هي المزود الأول للسوق الأمريكي بالسلع المصنعة، وتعد أمريكا من أكبر مستوردي المنتجات الصينية..
وصف علماء السياسة والاقتصاد العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين أنها الأهم في القرن الواحد والعشرين، فالعلاقة بينهما قديمة وعريقة، وتعد الصين شريكا تجاريا استراتيجيا بالغ الأهميه للولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها في الوقت نفسه منافسا رئيسيا لها..
حيث بدأ السباق الاقتصادي والمنافسة التجارية بينهما عندما فرض الرئيس الأمريكي الرسوم الجمركية وحواجز تجارية أخرى على الصين، حيث تسعى السياسة الأمريكية إلى فرض قيود على الصادرات التكنولوجية، إدراكا من الولايات المتحدة الأمريكية أن صعود الصين تهديدا حقيقيا لأمنها القومي، ويمثل التنافس الأمريكي الصيني أبرز صراع جيوسياسي واقتصادي في العصر الحديث، حيث تسعى الصين لتوسيع نفوذها العالمي، وتحدي الهيمنة الأمريكية، ويشمل هذا التنافس مجال تكنولوجيا المعلومات، وقيادة الذكاء الاصطناعي، وتمثل المنافسة الاقتصادية بين العملاقين أبرز العلاقات التجارية التي تشكل ملامح الاقتصاد العالمي.
يُمثّل السباق والتنافس على التفوق التكنولوجي في القوة العسكرية والذكاء الاصطناعي والجيل الخامس والحوسبة، ويتجلى ذلك التنافس بوضوح بين الشركتين العملاقتين الصينية (هواوي) والأمريكية (أبل).. ويعتبر الدولار عمله احتياط عالمية أحد أركان الهيمنة الاقتصادية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين ساهمت الصين في تعزيز مكانة اليوان من خلال إدراجه في عمليات التبادل في التجارة الدولية، مما يساهم في تعزيز الفجوات الاقتصادية بين الدول الكبرى والصغرى..
وأصبحت الصين تساهم في إحداث تغيرات كبيرة في التجارة الدولية، وأصبحت هذه المنافسة تتجاوز المنافسة التجارية التقليدية، لتشمل جميع المجالات الاقتصادية والتكنولوجيا الرقمية علاوة على التنافس بينهما في منطقه جنوب شرق آسيا، والنزاع على السيادة في بحر الصين الجنوبي، وتتجلى هذه المنافسة بينهما في الاستثمارات الدولية من خلال "مبادرة الحزام والطريق"، التي تعد أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ الصين، وأدت تلك المنافسة إلى وجود معسكرين اقتصاديين فى العالم، حيث تحولت الصين إلى قوة اقتصادية كبرى مؤثرة في النظام الدولي..
حيث شهدت الصين تحولا كبيرا على مدار العقود الماضية كقوة اقتصادية، وحدث تطور في التكنولوجيا الرقمية بفضل تشجيعها ورعايتها للعلوم الحديثة والتطور التكنولوجي في شتى المجالات لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية على قياده الاقتصاد العالمي، إلا أن السياسة الأمريكية فرضت سلسلة من القيود والاجراءات التي تهدف إلى الحد من التقدم التكنولوجي للصين، مما أدى إلى توتر العلاقة بين البلدين، وفرض رسوم جمركية مبالغ فيها على صادرات الصين لمنع وصولها إلى الأسواق الأمريكية..
وشهدت العلاقات الأمريكية الصينية تحولا، مرورا بأزمة تايوان وإيران ومضيق هرمز، حيث تتنافس بشراسة على كسب التحالفات في مناطق استراتيجية، مثل أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تعتمد الإدارة الأمريكية على الشراكة الأمنية والاقتصادية، بينما تعتمد الصين من خلال شراكتها على الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية من خلال "مبادرة الحزام والطريق"، حيث تشير التقارير ومراكز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن التنافس الأمريكي الصيني يظهر من خلال نظريتي الهيمنة وتحول القوة، حيث استشعرت الولايات المتحدة الأمريكية بخطر الصعود الصيني، وبروز الصين كمنافس لها على المستوى الاقتصادى، ومحاولات الصين بناء نظام مالي وتجاري أقل اعتمادا على الدولار يمثل تحديا استراتيجيا للهيمنة الأمريكية، خاصه مع توسع الصين في استخدام اليوان في المعاملات الدولية..
ورأت بعض المؤسسات ومراكز دعم اتخاذ القرار الأمريكية أن استمرار التصعيد مع الصين يهدد بنية الاقتصاد العالمي، لاسيما بعد أزمة الحروب والمضايق البحرية والطاقة، وتزايد ضعف أداء الاقتصاد الأمريكي، واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار هيمنتها على الاقتصاد، من خلال تعطيل إمداد الصين بالتكنولوجيا الحديثة، للسيطرة آسيا والمحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي، وأهميته الاستراتيجية، لاعتبارات كثيرة أهمها الطاقة والموانئ والممرات البحري ، حيث يمثل التنافس التجاري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين المحرك الأساسي لإعادة تشكيل النظام الدولي، حيث انتقلت المنافسة التجارية بين البلدين من مجرد فرض رسوم جمركية إلى السيطرة على سلاسل التوريد والامداد والذكاء الاصطناعي، وهذا التنافس يدفع العالم نحو نظام متعدد الأقطاب..