هى قمة تاريخية بالفعل، مثلتها زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للصين، ضمن تقارب متوقع، تفرضه مصالح الطرفين بعد سنوات من التنافس والتصارع، ولدى كل منهما تشابك فى المصالح بشكل كبير، بأكثر مما قد يبدو من تنافس، بجانب أن الصين لم تعد قوة يستهان بها، فهى مصنع العالم بجانب اعتماد جزء كبير من الصناعات الأمريكية على الصين.
لهذا اتسمت التصريحات بين شى وترامب بمزيج من الود والحزم مع إشارات لفك تعقيدات بعض الملفات، ركز دونالد ترامب على لغة الصفقات والمصالح وقال لشى جين بينج: «أنا وأنت نعرف بعضنا منذ وقت طويل.. لدينا أطول علاقة بين رئيسين فى تاريخ بلدينا، وهى علاقة رائعة، ووصف ترامب بينج بأنه «قائد عظيم.. أحيانا لا يحب الناس قولى هذا، لكننى سأقوله على أى حال لأنه الحقيقة»، وقال ترامب سيكون لنا مستقبل رائع معا.. جئت ومعى وفد يضم 30 من أفضل رجال الأعمال فى العالم «مثل إيلون ماسك وتيم كوك» تقديرا لك وللصين، وحول ما يمكن التعامل به مع المشكلات»، قال ترامب «كلما واجهتنا مشكلة كنا نحلها بسرعة كبيرة عبر الهاتف، والعلاقة الآن ستكون أفضل من أى وقت مضى».
وجاءت كلمات الرئيس الصينى تتحدث عن التعاون وأفضليته، حيث يمكن للصين والولايات المتحدة تجاوز صراع القوى العظمى وخلق نموذج جديد للعلاقات، وقال «يمكننا معا من جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، لكن شى بينج أشار الى «الخط الأحمر»، تايوان، وحذر بوضوح قائلا: «قضية تايوان هى الأهم.. إذا تم التعامل معها بشكل سيئ، فقد تؤدى إلى صدام أو صراع يضع العلاقة بأكملها فى خطر كبير»، واصفا استقلال تايوان والسلام فى المنطقة بأنهما «لا يجتمعان مثل النار والماء»، وعاد الرئيس الصينى ليقول «يجب أن نكون شركاء لا منافسين.. النجاح لأحدنا هو فرصة للآخر، والتعاون هو الخيار الصحيح الوحيد».
وبدا الطرفان ترامب وشى فى توافق على ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحا لضمان تدفق الطاقة العالمى، مع عدم امتلاك إيران للسلاح النووى، مع «نتائج إيجابية ومتوازنة» فى المحادثات التجارية، مع التزام صينى بزيادة مشتريات المنتجات الزراعية الأمريكية، وإنشاء «مجلس تجارة» و«مجلس استثمار» مشترك، وتفعيل قنوات التواصل العسكرى لتجنب أى احتكاك غير مقصود.
فيما يبدو أن مصالح الطرفين تفرض نفسها، والواقع أن الصين لم تكن هى التى بدأت الهجوم، ففى فترة ترامب الأولى ثم الثانية كانت المنافسة مع الصين عنوانا لبرنامج ترامب، الذى هاجم بكين مرات واتهمها بإنتاج وباء كورونا، وبالطبع فإن من صالح الطرفين أن يكون بينهما تعاون، فالصين لديها مطالب اقتصادية وتكنولوجية، خاصة فيما يتعلق بأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية بينما تسيطر على المعادن النادرة التى تطلبها الصناعات والتقنيات الأمريكية.
تفرض المصالح المشتركة نفسها على أمريكا والصين، وبالرغم من «حرب الرقائق» والتوترات السياسية، فإن الصين هى ثانى أكبر دائن أجنبى للولايات المتحدة «تمتلك حوالى 760 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية»، وأى انهيار فى الاقتصاد الأمريكى سيضر بقيمة هذه الأصول، بينما تعتمد أمريكا على الصين للحفاظ على سيولة أسواقها، وتعتمد الشركات الأمريكية «مثل آبل وتسلا» على البنية التحتية التصنيعية فى الصين، بينما تحتاج الصين للتقنيات والبرمجيات الأمريكية المتقدمة لمواصلة نموها التكنولوجى.
وبالطبع هناك مصلحة مشتركة فى استقرار الملاحة الدولية «مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر» لضمان التدفق، وتعتبر الصين ثالث أكبر سوق للصادرات الأمريكية، ما يعنى أن ملايين الوظائف فى أمريكا تعتمد على الاستهلاك الصينى، خاصة فى الزراعة والطيران، وبالرغم من أن الميزان التجارى يميل لصالح الصين لكن الفجوة بدأت تتقلص نتيجة السياسات الحمائية والتعريفات الجمركية، وبلغ العجز التجارى الأمريكى مع الصين حوالى 202.1 مليار دولار فى عام 2025، إلا أن هذا العجز انخفض بنسبة تزيد على 30% وهو أدنى مستوى له منذ نحو عقدين.
وتحصل أمريكا على سلع استهلاكية بأسعار رخيصة تقلل من التضخم الداخلى، وتضمن سوقا واسعا لمنتجاتها الزراعية والخدمية المتقدمة، وتستمر الصين باعتبارها «مصنع العالم»، ما يوفر ملايين الوظائف لمواطنيها، والعملة الصعبة (الدولار) لتعزيز احتياطياتها النقدية، أما المناطق المشتركة والتى تدور حولها الخلافات فكل طرف يمتلك ورقا مهما فيها، وبالتالى فإن الوفد الأمريكى يسعى لانتزاع التزامات أوضح بشأن إمدادات المعادن النادرة من الصين التى تسيطر على نسبة كبيرة منها، وتستخدمها فى الضغط لتخفيف القيود على تصدير أشباه الموصلات (الرقائق)، الذى تصر واشنطن على إبقائه ضمن نطاق «الأمن القومى»، ومن المتوقع إبرام صفقات ضخمة تلتزم بموجبها الصين بشراء كميات كبيرة من فول الصويا، اللحوم، والغاز الطبيعى المسال، ومناقشة طلبيات جديدة لطائرات بوينج لتعزيز الصناعة الأمريكية.
وهو ما يجعل لدى كل طرف منهما أوراقا يستغلها وبالفعل من الأفضل تنازل كل طرف للآخر بعد اكتشاف استحالة تنفيذ أمريكا لأى خطوات عكس إرادة الصين، زيارة ترامب الحالية هى الأولى لرئيس أمريكى منذ عام 2017، وتأتى فى وقت تسعى فيه واشنطن وبكين لإدارة التنافس بمزيج من السياسة والاقتصاد وتلافى الانزلاق إلى حرب، وتبقى تايوان من دون تحرك لأى طرف بينما قد تطلب واشنطن من بكين الضغط على طهران، وبالتالى هناك تحكم فى الملفات من دون حلول نهائية، لكن هذه التفاصيل تشير إلى تحولات فى موازين القوى بالعالم نحو توازن وتعاون ومصالح متشابكة أكبر من التناقضات.

المصالح المشتركة بين أمريكا والصين