ناهد صلاح

​الصالون الثقافي المصري في المغرب.. دبلوماسية الروح

الخميس، 14 مايو 2026 01:00 ص


إطلاق السفارة المصرية في الرباط لصالونها الثقافي، يعد خطوة ضرورية، أقرب إلى محاولة لاستعادة المعنى القديم للدبلوماسية بوصفها فعلاً حضارياً لا مجرد ممارسة بروتوكولية، فالمبادرة التي أطلقها  السفير المصري أحمد نهاد عبد اللطيف لا يمكن قراءتها باعتبارها نشاطاً ثقافياً عابراً داخل مقر دبلوماسي، بل باعتبارها إعلاناً ضمنياً عن رغبة في إعادة الثقافة إلى مركز العلاقة العربية العربية، بعد سنوات طويلة جرى خلالها تهميش الفكر لصالح المصالح السياسية والاقتصادية المباشرة.

يبدو هذا الحراك الثقافي امتدادًا لنهجٍ دبلوماسي آمن طويلًا بأهمية التقارب المصري المغربي، وهو ما حرص على تكريسه السفير المصري الأسبق أشرف إبراهيم، عبر دعمه لكل مناسبة ثقافية وفنية قادرة على مدّ الجسور بين القاهرة والرباط، وتعزيز حضور الروابط الإنسانية والفكرية بين الشعبين.
​ تمثل هذه الخطوة، في رأيي، انتقالاً جوهرياً من "دبلوماسية المكاتب" إلى "دبلوماسية الفكر"، حيث تصبح السفارة مساحة تفاعلية تتجاوز الأطر الرسمية لتصنع وعياً جمعياً مشتركاً، يعيد ترتيب الأولويات العربية بجعل الثقافة هي القاطرة لا المقطورة في قطار العلاقات الثنائية.


​اللافت في هذا الصالون أنه لم يبدأ من خطاب رسمي جامد أو احتفال فولكلوري بالهوية المشتركة، بل انطلق من فكرة "المنصة الحوارية"، أي من الاعتراف بأن الثقافة لا تُفرض من أعلى، وإنما تُبنى عبر التفاعل والاختلاف والإنصات المتبادل. لذلك بدا افتتاح الصالون في الرباط أقرب إلى لحظة رمزية تؤكد أن مصر والمغرب، رغم البعد الجغرافي، ما زالا يمتلكان ذلك الخيط الروحي العميق الذي يربط المشرق بالمغرب عبر الأدب والموسيقى والفنون واللغة والذاكرة المشتركة.


​قد نجحت الجلسة الأولى في تقديم هذا التصور عملياً، عبر المزج بين الحضور الدبلوماسي الوازن والنخبة الثقافية والإعلامية، في مشهد يعكس وعياً بأن الثقافة ليست نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل أداة قوة ناعمة قادرة على بناء صورة أكثر إنسانية وعمقاً للعلاقات بين الدول. من هنا تأتي أهمية استضافة شخصيات من منظمة الإيسيسكو ووجوه صحفية وثقافية مغربية وعربية، لأن الصالون بدا كأنه يحاول تجاوز حدود الثنائية المصرية المغربية إلى فضاء أوسع، يستعيد فكرة المجال الثقافي المشترك الذي تآكل بفعل الانقسامات السياسية والتباعد الرمزي بين العواصم العربية.


​إن استحضار البعد الإقليمي عبر "الإيسيسكو" يعطي للصالون صبغة مؤسسية عابرة للحدود، ويحول الرباط إلى "جسر معرفي" يربط بين المدارس الفكرية المختلفة، مما يقلص من حدة المركزية الثقافية ويخلق فضاءً يتسم بالتعددية والشمول.


​كما أن اختيار الرباط تحديداً يحمل دلالة خاصة، فالمغرب خلال السنوات الأخيرة أصبح واحداً من أكثر الفضاءات العربية حيوية على المستوى الثقافي، سواء عبر معارض الكتاب أو الحراك الروائي والفني، وهو ما أشار إليه السفير المصري أحمد نهاد عبد اللطيف في كلمته حين عبّر عن تقديره للزخم الثقافي المغربي، في اعتراف ضمني بأن العلاقة الثقافية الحقيقية لا تقوم على المركزية التقليدية، بل على تبادل التأثير والاعتراف المتبادل بالقيمة الإبداعية للطرف الآخر.
​ من أكثر ما يمنح هذه المبادرة عمقها الرمزي، الاحتفاء بتجربتين أدبيتين نسائيتين في افتتاح الصالون، هما تجربة الكاتبة المغربية ربيعة ريحان، وتجربة الكاتبة المصرية نسمة يوسف إدريس إذ يبدو هذا الاختيار بعيداً عن المجاملة الشكلية أو التمثيل الرمزي للمرأة، بل يحمل إشارة واضحة إلى التحولات التي يشهدها المشهد الثقافي العربي، حيث أصبحت الكتابة النسائية تمتلك حضوراً نقدياً وجمالياً يصعب تجاهله. 


​ هذا التقاطع بين "إدريس" و"ريحان" ليس مجرد لقاء أدبي، بل هو مواجهة جمالية بين وعيين يسعيان لتفكيك المسكوت عنه في المجتمعات العربية، مما يؤكد أن الصالون يتبنى أجندة تنويرية تهدف إلى خلخلة السائد وتقديم نماذج إبداعية قادرة على محاورة الراهن بكل تعقيداته.


لعل هذا نتلمسه بوضوح لدى الكاتبة المغربية ربيعة ريحان كواحدة من الأصوات السردية التي انشغلت بكتابة الإنسان في هشاشته وأسئلته الداخلية، حيث تمتزج في أعمالها الحساسية الشعرية بقدرة دقيقة على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى لحظات تأمل إنساني عميق. وقد استطاعت عبر تجربتها الأدبية أن تكرّس حضورًا خاصًا داخل المشهد الثقافي المغربي، من خلال نصوص تنفتح على قضايا المرأة والذاكرة والعلاقات الإنسانية بلغة رقيقة ومكثفة.
​كذلك فإن الاحتفاء بالأدب النسائي المصري والمغربي معاً يفتح باب المقارنة بين تجربتين تنتميان إلى بيئتين مختلفتين لكنهما تتقاطعان في أسئلة الحرية والتحولات الاجتماعية والبحث عن صوت فردي داخل عالم عربي مثقل باليقينيات القديمة.


كما أن حضور غزلان دروس، مديرة الكتاب والخزانات والمحفوظات بوزارة الثقافة المغربية، أضاف تميزا للوجود النسائي والثقافي سويا، خصوصًا بعد ما قدّمت عرضًا ثريًا حول أرقام وإنجازات الدورة الحالية من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، مستعرضةً حجم المشاركة الدولية واتساع الحضور الثقافي الذي بات يعكس مكانة المعرض كأحد أبرز المواعيد الثقافية العربية والإفريقية.


​ في خلفية هذا المشهد، برز استحضار اسم الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي بوصفه خطوة ذكية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الذاكرة الثقافية العربية، فالفن هنا لا يُستدعى كزينة احتفالية، بل كجزء من مشروع استعادة الرموز المشتركة التي صنعت الوجدان العربي عبر العقود. إن تخصيص موعد ثقافي لاحق للاحتفاء بالدكالي الذي رحل عن عالمنا مؤخرا، يكشف عن رغبة في بناء الصالون بوصفه مشروعاً مستمراً لا حدثاً افتتاحياً مؤقتاً، كما يكشف عن إدراك بأن الموسيقى لغة قادرة على تجاوز الحدود واللهجات.


​ مع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا الصالون لن تُقاس بحجم الحضور الدبلوماسي أو ببريق الافتتاح، بل بقدرته على الاستمرار والتحول إلى تقليد ثقافي حي، يخلق نقاشاً حقيقياً لا مجرد مناسبات بروتوكولية موسمية. التحدي هنا هو أن يظل الصالون مساحة للأسئلة الجديدة، للأصوات المختلفة، للتفاعل الحر بين المثقفين المصريين والمغاربة، بعيداً عن الخطاب الرسمي الجامد. وإذا نجح في ذلك، فإنه سيكون نموذجاً لما يمكن أن تقوم به الدبلوماسية الثقافية حين تؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية لحماية الروابط الإنسانية بين الشعوب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة