من قلب خيمة بدوية فى سيناء إلى شاشات العالم.. الشيخ سالم الهرش يُفشل أخطر مخطط لتدويل سيناء أمام جولدا مائير وموشى ديان فى "مؤتمر الحسنة " العالمى عام 1968.. وحفيد البطل يروى كواليس ليلة انتصار سيناء مصرية

الأربعاء، 13 مايو 2026 10:00 م
من قلب خيمة بدوية فى سيناء إلى شاشات العالم.. الشيخ سالم الهرش يُفشل أخطر مخطط لتدويل سيناء أمام جولدا مائير وموشى ديان فى "مؤتمر الحسنة " العالمى عام 1968.. وحفيد البطل يروى كواليس ليلة انتصار سيناء مصرية مؤتمر الحسنة

كتبت: منة الله حمدى

في سيناء تتعد الإنجازات مابين البطولات ومابين التنمية والتطوير، لم يبخل المصريين على تلك البقعة المباركة بشيء، فقد ارتوت أرضها بدمائهم؛ فأثمرت رجال حافظوا على كل حبه من رمالها؛ وصقوا عهدًا بأرواحهم أن يجعلوها أجمل بقاع الأرض تنمية وتطوير في كافة أرجائها، ومن أجل ذلك خصصت الدولة ميزانية عامة لتطوير شبه جزيرة سيناء في العامين الماليين (2025/2026) و(2026/2027) يبلغ نحو 35 مليار جنيه، فهى أرض النضال والحروب والإنتصارات، لقد عانى أهلها الكثير من الممارسات القاسية والضغط عليهم وإغراءهم بشتى الطرق لتنفصل سيناء عن مصر ويسهل على الاحتلال الاسرائيلى التحكم فيها، ولكن في السطور التالية يحكى أحد أبنائها توثيق لملحمة أبطالها أبناء سيناء درع وسيف وحراس البوابة الشرقية المصرية.

 

في أيام لم يكن الإرث مال ولا مكان؛ بل إسم وبطولة؛" ترك جدى لنا ملف مشرف لنفتخر به ونرفع رؤسنا طيلة العمر ونضرب به المثل لكل أبناء قبيلته وعشرته، ترك لنا دورسًا ثمينة نتعلم منها حب الوطن وفدائه بأروحنا".

 

سالم الهرش رفض أن يصبح ملك سيناء مقابل الانفصال عن مصر

جلس الحفيد محمد الهرش على بُسُطه "فرشته" داخل خيمته في قرية 30 يونيو بشمال سيناء وأمامه "مشروب الأجاويد" وهو مفتاح السلام والكلام "أبريق القهوة العربي والتمر" يتذكر أيام البطولة والعزة الكرامة، ليروى قصة تجاوزت حدود البطولة وعشق تراب الوطن. حكاية من دفتر "حب المصرين لبلدهم" .

محمد الهرش حقيد الشيخ سالم الهرش
محمد الهرش حقيد الشيخ سالم الهرش

 

سيناء مصرية مائة فى المائة.. الجملة التى أربكت إسرائيل وأفشلت مخطط التدويل

في فترة كانت مصر تنزف فيها دمًا يوجع أبناء الوطن كبيره وصغيره؛ عُرفت بـ"حرب الاستنزاف" بعد نكسة 1967، حين دوى صوت الشيخ سالم علي الهرش شيخ عشيرة الهروش من قبيلة البياضية في شمال سيناء؛ ليسمعه العالم أجمع عبر شاشات التلفزة في مؤتمر "الحسنة" العالمى على الهواء مباشرة. قائلًا "نحن أبناء سيناء تحكمنا أحكام وأعراف لا يمكن أن نحيد عنها أبداً، فكلنا وطنيون وسيناء مصرية مائة فى المائة." بهذه الجملة التي كسرت أنف "جولدمائير " ومن تبعها؛ بدء محمد الهرش حفيد الشيخ سالم على الهرش، وشيخ مشايخ قبيلة الهرش بشمال سيناء الحكاية لـ "اليوم السابع" واستكمالها قائلًا:

 

الخطة الإسرائيلية التى استهدفت إعلان سيناء دولة مستقلة على الهواء مباشرة

من عادتنا نحن البدو أن نجلس داخل خيامنا معظم الوقت نستقبل الزائرين ونتحدث في أحوال القبيلة، ففي أحد أيام خريف 1968، وحين كان جدى يجلس وحيدًا في خيمته ببئر العبد بشمال سيناء، جاءه الحاكم العسكرى الإسرائيلي بصفة جدى من كبار مشايخ سيناء، وعرض عليه فكرة تدويل سيناء واستقلالها وانعزالها عن مصر نهائيًا بحماية عسكرية من إسرائيل واقتصاديًا من أمريكا، كان حديثه مفاجئة لجدى الذى تعامل مع الأمر بحكمة ودهاء؛ فتركه يتحدث بكل ما يريد، حيث أغراه الحاكم العسكرى أن يكون رئيسًا لتلك الدولة وملكًا لها، وطلبوا منه إقناع مشايخ القبائل الأخرى في سنياء، ويعلنوا قرارهم هذا بحضور كبار القيادات الإسرائيلية في مؤتمر عالمى مذاع على الهواء مباشرة، في منظقة "الحسنة "وسط سيناء لكى يكون علامة ورسالة أن سيناء جميعها وافقت على فكرة الاستقلال عن أرض مصر.

 

الشيخ سالم الهرش
الشيخ سالم الهرش

 

الشيخ سالم الهرش ساعد فى اختراق الاحتلال داخل سيناء

كان جدى الشيخ سالم على الهرش يجيد التعامل مع تلك الأفكار الشيطانية التي يتعامل بها الاحتلال الصهيوني، بحكم أنه من أبناء سيناء الفدائيين الذى يتعاملون مع جهاز المخابرات المصرية؛ وله من تلك الأعمال والمواقف الفدائية باعٍ طويل، واذكر واقعة هامة كانت لها أثر كبير ومساعدة عظيمة في حديثنا عن مؤتمر الحسنة؛ فكان جدى صاحب الـ"58" عامًا حين ذاك عندما جاءه رجلان وقالا له أنهما من ضباط المخابرات العسكرية المصرية وطلبا منه أن يساعدهم في الإندساس داخل المجتمع القبلى واستخراج بطاقات الهوية لتسهل لهم الدخول والخروج من وإلى معسكرات الاحتلال بسهولة.

 

وليمة بدوية وخطة سرية.. كيف التقطت المخابرات المصرية صور القيادات الإسرائيلية؟

فبدأ جدى بإعداد مكان لهم في بيته؛ وعلمهم اللهجة البدوية السيناوية؛ وألبسهم الرداء السيناوى، وتجول بهم داخل سيناء كأنهم من قبيلته وعرفهم على القيادات الإسرائيلية لاستخراج بطاقات الهوية التي تمكنهم من التحرك بسلاسة داخل سيناء شمالها وجنوبها؛ وذات يومٍ طلبت القيادة المصرية من جدى "الشيخ سالم" عن طريق هذان الضابطان أن يرسل لهم صورًا للقيادات الإسرائيلية في سيناء؛ فما كان عليه إلا أن أعد وليمة غداء كبيرة على شرف القيادات الإسرائيلية في سيناء؛ مكونة من عدة خيم ودعا فيها أبناء قبيلته؛ واستقل الضابطان الخيمة الملاصقة للقيادات الإسرائيلية؛ ليتمكنا من تصويرهم بشكل واضح؛ وبالفعل نجحت الخطة ووصلت الصور بأمان إلى القيادات المصرية في ذات الوقت.

وبعدها وصلت درجة تطاول الاسرائيليين بإفكارهم الصهيونية إلى فكرة تدويل سيناء وإعلان ذلك على لسان كبار مشايخها في مؤتمر صحفى كبير يحضور قيادات إسرائيلية ويذاع ذلك على شاشات التليفزيون على مستوى العالم، فقص جدى على رجالا المخابرات المصرية المتواجدون وسط أبناء القبيلة، وأوصلوها إلى الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر الذى فطن بخطورة الفكرة الملتوية لكسب ولاء أبناء سيناء وإقامتها دولة مستقلة؛ كى لا تستطيع مصر المطالبة بعودتها ولتكون ضربة قوية في وجه مصر أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتبطل الشكاوى التي كانت تقدمها مصر لهم باستمرار بسبب احتلال إسرائيل لسيناء .

 

صورة صحفية واقعية من يوم الحدث
صورة صحفية واقعية من يوم الحدث

 

 

جمال عبد الناصر وجهاز المخابرات خططا لإفشال مؤتمر الحسنة بالتنسيق مع مشايخ سيناء

ولكن ذكاء الرئيس المصرى آن ذاك وفريق المخابرات المصرية وحرص مشايخ وأهل قبائل سيناء الشرفاء على وحدة وطنهم؛  قَلبت الفكرة رأسًا على عقب؛ فقد اتفق رجال المخابرات مع الشيخ سالم الهرش وبتوجيهات الرئيس جمال عبد الناصر على مُجارية قيادات الكيان الصهيوني في سيناء؛ وأن يبث بداخلهم خوفه من المخابرات المصرية وعليهم تأمينه. من خلال حصوله على تصريح لزيارة الأقارب في الأردن من الحاكم العسكرى الإسرائيلي، على أن تُفتح الأكمة الإسرائيلية للركب الذى استقله الشيخ مع عائلته طيلة الطريق من سيناء على الأردن دون توقف.


وجاء اليوم الذى حددته إسرائيل للحدث العالمى؛ صباح يوم 26 أكتوبر 1968، المكان قرية الحسنة وسط سيناء؛ الحدث مؤتمر "الحسنة" لإعلان تدويل سيناء واستقلالها وانفصالها عن دولة مصر؛ الحضور أهم القيادات الإسرائيلية الصهيونية وعلى رأسهم "جولدمائير رئيس وزاراء إسرائيل، و موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي، والحاكم العسكرى الاسرائيلي في سيناء، وممثلي وكالات الأنباء العالمية، ومندوب من الأمم المتحدة؛ وممثلى قبائل وعائلات سيناء كاملة، وعدد كبير من المصوري وكالات الأنباء وعشرات القنوات العالمية؛ والمخرج الإيطالى العالمى الذى أعد لتجهيز المؤتمر ليبث عالميًا ما يقرب من ستة أشهر بالتعاون مع الشيخ عيد مصلح بن عامر، أحد قادة قبيلة التياها بوسط سيناء.

كانت أجواء المؤتمر كما وصفها محمد الهرش حفيد الشيخ البطل؛ إقامة خيمة كبيرة تجمع فيها الحضور، جلس على المنصة الرئيسية في المواجهة كبار مشايخ القبائل السيناوية يتوسطهم  جدى الشيخ سالم؛  والمنصة المجاورة استقلتها القيادات الإسرائيلية، وفي المواجهة لها كان الحضور العالمى من ممثلي دول العالم والأمم المتحدة. وجلس أهالى سيناء وأبناء القبائل ومن بينهم ضابطات المخابرات المصرية في الأماكن المخصصة لهم،  وضافت صوانى الضيافة التي أحضرتها إسرائيل لضيوف المؤتمر بالطائرات الهلكوبتر من تل أبيب أرجاء الخيمة. وجاءت اللحظة الحاسمة فقال الحفيد؛

استقبال جولدمائير  (2)
استقبال جولدمائير 

 

لحظة الغضب الإسرائيلى

بدأ البث المباشر التليفزيونى ليشاهده العالم؛ وقف جدى الشيخ سالم  الهرش شامخًا بكل قوة وثبات بصفته المكلف من كبار مشايخ سيناء بإلقاء الكلمة التي اتفق عليها مع القيادات الإسرائيلية وهى إعلان سيناء دولة مستقلة، سُلطت الكاميرات على وجه جدى وركز الجميع وساد الصمت داخل الخيمة وخارجها؛ لم يسمع سوى صوت الشيخ سالم قائلًا" إسرائيل هي دولة احتلال والاحتلال إلى زوال؛ وإن سيناء مصرية وقطعة من مصر ولا نرضى بديلا عن مصر وما أنتم إلا احتلال ونرفض التدويل وأمر سيناء فى يد مصر، سيناء مصرية مائة فى المائة ولا نملك فيها شبرا واحداً يمكننا التفريط فيه ومن أراد أن يتحدث عن سيناء يتحدث مع رئيس مصر الرئيس جمال عبد الناصر" .

شاهد وسمع العالم كلمة جدى وبدلًا من أن ترصد فرحة جولدمائير وموشي ديان وثقت وجوههم الغاضبة والمنصة التي قلبتها رئيسة وزراء إسرائيل بما عليها من شدة الغضب واستقلالهم طائرتهم الهليكوبتر؛ وتهليل وتكبير مشايخ وأهل سيناء الكرام؛ وتفرق الجمع وانقطع البث، في تلك اللحظة كان ركب جدى جاهز بجوار الخيمة فيه العائلة كاملة وتحرك سريعًا إلى الأردن مستخدمًا التصريح الذى تم استخراجه من قبل الحاكم العسكرى  الاسرائيلى في سيناء .

استقبال جولدمائير  (1)
استقبال جولدمائير 

 

الشيخ سالم الهرش يصل الأردن

استقبل السفير المصرى في الأردن حين ذاك جدى الشيخ سالم وعائلته، وكانت مصر قد أرسلت طائرة إلى الأردن للعودة بهم إلى أرض الوطن في نفس اليوم، واستقبلهم في مطار القاهرة وزير الدفاع في ذلك الوقت الفريق أول كمال الدين حسن علي وزير الحربية، وقال لجدى" أنت رجل رفض أن يصبح ملك ويتعاون مع الاحتلال؛ فلابد أن تعاملك بلدك مثل الملوك وتفتح لك صالة كبار الزوار"، وتم حجز جناح مخصص لهم في أحد فنادق القاهرة الكبرى، وبعد ثلاثة أيام تمت مقابلة مع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر وأهداه مسدس حلوان 9 مللى وبندقية آلية، فأخذ جدى المسدس وتبرع بالبندقية للقوات المسلحة المصرية، وخُير جدى بالعيش في أي مكان بمصر؛ فطلب العيش في محافظة البحيرة؛ فأمر الرئيس جمال عبد الناصر ببناء فيلا على نفقة القوات المسلحة كهدية لجدى وعائلته؛ في قرية عثمان ابن عفان بمديرية التحرير بكوم حمادة محافظة البحيرة . كما أهداه الرئيس جمال عبد الناصر قطعتين أرض زراعية على ترعة النوبارية بين البحيرة والمنوفية تقدر بـ 50 فدان كل قطعة 25 فدان من رئاسة الجمهورية و المخابرات الحربية.

خطاب الشيخ سالم الهرش يوم مؤتمر الحسنة
خطاب الشيخ سالم الهرش يوم مؤتمر الحسنة

 

إسرائيل تعتقل الشيخ سعدى الهرش وتعذيبه 4 سنوات داخل السجون

في ذلك الوقت لم يهدء الاحتلال الإسرائيلي ظل يبحث عن الشيخ سالم الهرش في كل مكان لتنتقم منه ولم يجده؛ فلم تجد أمامها سوى الإنتقام من أخيه عمى الشيخ سعدى الهرش؛ فتم إعتقالة وعُذب في السجون الإسرائيلية ما يقرب من 4 سنوات مارسوا فيها كافة أشكال التعذيب والقهر؛ حتى خرج أثناء صفقة تبادل للأسرى في عام 1972.


وعاش جدى الشيخ سالم الهرش في البحيرة حتى عاد إلى سيناء في عام 1975 بعد انتصار حرب أكتوبر المجيد،  ليستقبله أهالى سيناء بالاحتفالات التي دامت شهورًا، وظل جدى الشيخ سالم الهرش شيخ مشايخ سيناء يعمل قاضى عرفى يحل مشاكل أهل سيناء حتى توفاته المنية سنه 1981.

 

الصحف المصرية توثق الحدث
الصحف المصرية توثق الحدث


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة