محمود عبد الراضي يكتب: جمهورية «مناعة» الحقيقية.. رحلة الدولاب من عصر الناضورجية وصبيان المعلمة إلى زمن «الدرونز» والعملات المشفرة.. كواليس تحول إمبراطورية الكيف من زقاق الحواري لفضاء الذكاء الاصطناعي

الجمعة، 27 فبراير 2026 12:30 ص
محمود عبد الراضي يكتب: جمهورية «مناعة» الحقيقية.. رحلة الدولاب من عصر الناضورجية وصبيان المعلمة إلى زمن  «الدرونز» والعملات المشفرة.. كواليس تحول إمبراطورية الكيف من زقاق الحواري لفضاء الذكاء الاصطناعي مسلسل مناعة

في قلب القاهرة الفاطمية، وبين أزقة ضيقة تفوح منها رائحة التاريخ الممزوجة بأبخرة الحشيش الكثيفة، ولدت أسطورة "الباطنية".

لم تكن مجرد حي شعبي، بل كانت "دولة موازية" تحكمها قوانين الصمت، ويديرها أباطرة لا يعترفون بغير سطوة المال وسلطان الكيف.

اليوم، ومع عرض مسلسل "مناعة" في السباق الرمضاني، يفتح الستار مجدداً على تلك الحقبة


 

عصر "مناعة".. حين كان الدولاب قلعة بشرية

يوثق مسلسل "مناعة" تفاصيل دقيقة عن "دولاب المخدرات" التقليدي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، في تلك الفترة، كان "الدولاب" عبارة عن حصن حقيقي، يبدأ من "الناضورجي" القابع على أول الشارع، والذي يمتلك شفرات بصرية وصوتية للتنبيه بقدوم أي "حملة أمنية"، وصولاً إلى "المعلم" أو "المعلمة" الجالسين فوق عرش من النقود الورقية الملطخة بالزيوت، كانت التجارة تعتمد على "الثقة والولاء" العائلي.

في الباطنية، كانت الحارة هي المستودع، والبيت هو المصنع، والنساء والأطفال هم خط الدفاع الأول، كانت المواجهات بين الأمن وتجار الباطنية بمثابة "حروب شوارع" حقيقية، استخدمت فيها الدولة كل ثقلها الأمني لتطهير تلك البقعة.

كانت الجريمة حينها "فيزيائية" بامتياز؛ مخازن سرية تحت الأرض، وأبواب حديدية مصفحة، وتوزيع يعتمد على اللقاء المباشر وجه لوجه، حيث يسلم "الصبي" البضاعة ويتسلم الثمن في لمحة عين.

 

سقوط القلاع التقليدية وبزوغ فجر "التكنولوجيا المسمومة"

بنجاح الدولة في تفكيك إمبراطورية الباطنية، ثم لاحقاً "الجيارة" و"كوم السمن"، اعتقد الكثيرون أن تجارة المخدرات تلقت ضربة قاضية، لكن "عقل الجريمة" لا يتوقف عن الابتكار.

مع مطلع الألفية، بدأ "الدولاب" في اللامركزية، فخرج من الأحياء المحصنة إلى أطراف المدن والطرق الصحراوية، لكن التحول الأكبر حدث مع الثورة الرقمية.

اليوم، ونحن نشاهد "مناعة" على الشاشات، ندرك حجم الفجوة بين "ماضي السموم" وحاضرها، لم يعد التاجر بحاجة لامتلاك حارة كاملة أو جيش من الناضورجية. لقد استبدل "المعلم" هاتفه المحمول القديم بتطبيقات مشفرة لا يمكن تعقبها بسهولة.

في زمن الذكاء الاصطناعي، أصبح "الدولاب" افتراضياً، يدار من غرف مكيفة، وربما من خارج حدود البلاد تماماً، أصبحنا نواجه خطرا أكبر وحرب وجود بمعنى الكلمة.


 

المخدرات في زمن الذكاء الاصطناعي.. تجارة "الصفر والواحد"

دخلت تجارة المخدرات عالميا مرحلة "الجيل الخامس"، التاجر الحديث يستخدم الآن خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات السلوكية للشباب على منصات التواصل الاجتماعي.

من خلال تتبع الاهتمامات والكلمات المفتاحية، تستطيع برمجيات متطورة تحديد "الضحايا المحتملين" وإرسال إعلانات مموهة لهم عبر تطبيقات "التليجرام" أو "الديسكورد" المشفرة.

لم يعد الزبون يذهب إلى الحارة، بل يأتيه "الدولاب" إلى هاتفه، يتم العرض عبر "بوتات" (Bots) ذكية ترد على الاستفسارات، تحدد الأسعار، وترسل "اللوكيشن" (Location) لمكان الاستلام الذي غالباً ما يكون مكاناً عاماً أو "مخزناً سرياً" لا يعرفه حتى الموزع نفسه.

الدفع أصبح يتم عبر "المحافظ الإلكترونية" أو العملات الرقمية مثل "البتكوين"، مما يجعل تتبع حركة الأموال معضلة تقنية تتطلب مجهوداً أمنياً مضاعفاً.


 

الدرونز والتركيبات الكيميائية.. الابتكار في القتل

لا يتوقف الأمر عند الترويج الرقمي، بل امتد لعمليات التوصيل، في بعض المناطق الوعرة أو التجمعات السكنية المغلقة، رصدت تقارير عالمية استخدام "الدرونز" (طائرات مسيرة) لتوصيل الشحنات الصغيرة، مما يلغي الحاجة للعنصر البشري الذي قد يسقط في قبضة الأمن.

أما الكارثة الكبرى، فهي استخدام الذكاء الاصطناعي في "تخليق" مواد مخدرة جديدة، البرمجيات الكيميائية المتطورة تساعد "كيميائيي الرصيف" على ابتكار تركيبات لمواد مخدرة تخليقية (مثل الآيس والشابو والفودو) بتكاليف زهيدة وتأثيرات تدميرية تفوق الحشيش والهيروين بمئات الأمرات.

هذه المواد يتم تركيبها بناءً على نماذج محاكاة تجعلها تتجاوز قوائم المحظورات لفترات قصيرة قبل أن تلاحقها التشريعات.


 

الأمن السيبراني.. المواجهة في "الغرف المظلمة"

في المقابل، لم تقف الجهات المعنية مكتوفة الأيدي أمام هذا التطور، فكما كانت المواجهات في "مناعة" تعتمد على المداهمة الجسدية، أصبحت المعركة الآن "سيبرانية".

استحدثت وزارة الداخلية وحدات تكنولوجية فائقة التطور تابعة لقطاع مكافحة المخدرات والشرطة المتخصصة.
يعمل "ضباط التكنولوجيا" الآن على اختراق هذا العالم وتتبع المحافظ الإلكترونية المشبوهة، واستخدام الذكاء الاصطناعي المضاد لرصد الأنماط غير الطبيعية في حركة المرور الرقمي التي تشير إلى نشاط ترويج سموم، المعركة أصبحت "عقل ضد عقل"، و"كود ضد كود".


 

بين الدراما والواقع.. رسالة تحذير

يأتي مسلسل "مناعة" ليكون مرآة للماضي، لكنه في الحقيقة جرس إنذار للمستقبل، إن الدولة التي انتصرت على "دواليب" الباطنية الحديدية، تخوض الآن معركة أكثر تعقيداً ضد "دواليب" برمجية خفية.

الإهمال الذي قد يمارسه الأهل، كما ذكرنا في تقارير سابقة، هو الثغرة التي يتسلل منها "تاجر الذكاء الاصطناعي" إلى غرف نوم الأبناء عبر هواتفهم.

إن تحول المخدرات من شكلها "البلدي" التقليدي إلى شكلها "التقني" المتطور، يفرض على المجتمع وعياً جديداً، لم يعد الخوف من "ابن الحارة" الذي يغوي الشباب، بل الخوف من "رابط" (Link) مجهول أو "رسالة" غامضة على تطبيق تواصل اجتماعي تقود إلى الهاوية.


 

هل ينتصر الإنسان على "الآلة المسمومة"؟

يبقى الصراع أزلياً بين الخير والشر، "مناعة" ليس مجرد عمل درامي عن حقبة زمنية، بل هو توثيق لعزيمة دولة قررت ألا تترك عقول شبابها نهباً للسموم.

وإذا كان تجار الكيف قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي لتطوير "دواليبهم"، فإن العقل البشري الأمني، المدعوم بالإرادة الشعبية، قادر على تفكيك تلك الشفرات.

إن المعركة اليوم لا تحتاج فقط إلى رصاص وقنابل غاز، بل تحتاج إلى وعي رقمي، ورقابة أسرية، وتكاتف لمواجهة "خفافيش الإنترنت" الذين يحاولون إعادة بناء "باطنية جديدة" في الفضاء الافتراضي.

لقد سقطت الباطنية قديماً بضربات الأمن القوية، واليوم تسقط "ممالك الكيف الرقمية" بضربات تقنية لا تقل ضراوة، ليبقى الوطن دائماً فوق كل المحاولات اليائسة لتدمير شبابه.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة