يعد حي الباطنية واحدًا من أكثر أحياء القاهرة إثارة للجدل، ليس فقط بسبب سمعته التي ارتبطت لسنوات طويلة بتجارة المخدرات، بل لأنه يمثل نموذجًا حيًا لتحولات المدينة عبر قرون متعاقبة، من العصر الفاطمي إلى الدراما المعاصرة.
يقع الحي جنوب شرقي الجامع الأزهر، في قلب القاهرة التاريخية، وهو موقع أكسبه أهمية دينية وعمرانية مبكرة، قبل أن تتبدل ملامحه الاجتماعية مع الزمن.
مسلسل مناعة
تدور أحداث مسلسل مناعة في إطار شعبي داخل حي الباطنية، وتعود من خلال الأحداث إلى فترة السبعينيات والثمانينات، من خلال شخصية التي تلعبها هند صبري التي تتحول من زوجة مغلوبة على أمرها لزوجها الذي يُقتل في تجارة الممنوعات إلى سيدة قوية تواجه الصعاب لحماية أسرتها، وتغوص الأحداث في عالم المخدرات والصراعات الاجتماعية مع استعراض مفهوم "المناعة النفسية" في مواجهة القسوة.
أصل اسم حى الباطنية
يرجع أصل التسمية – كما وثّق المؤرخ الكبير تقي الدين المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار – إلى اسم "الباطلية"، ويُذكر أن جماعة من العسكر استولوا على قطعة أرض "بالباطل" زمن تأسيس القاهرة الفاطمية، فغلب الاسم على المكان.
كما أشار المقريزي إلى حريق شهير وقع عام 663 هـ، ظل مضربًا للأمثال في القاهرة، حتى إن الناس كانوا يقولون عمن يكثر شرب الماء: "كأن في باطنه حريق الباطلية"، ومع تعمير الحي في عصور لاحقة، وارتباطه بمجاوري الأزهر والعلماء، تحوّل الاسم إلى "الباطنية"، في إشارة إلى باطنة العلماء الذين سكنوا المنطقة، حيث خُصصت دور لمشايخ المذاهب الأربعة داخل الحي.
لكن التحول الأكبر في صورة الباطنية لم يكن عمرانيًا بقدر ما كان اجتماعيًا. فابتداءً من منتصف القرن العشرين، ومع التغيرات الاقتصادية والهجرة الداخلية من الريف إلى القاهرة، بدأت بعض الأحياء الشعبية تعاني من التكدس والفقر وضعف الخدمات. في هذا السياق، برزت الباطنية تدريجيًا كمركز لنشاط تجارة المخدرات، خاصة في السبعينات والثمانينات، وأصبحت اسمًا يتردد في الأخبار والقصص الشعبية بوصفها معقلًا لتلك التجارة.
من قلب هذا الواقع خرجت حكاية "المعلمة مناعة"، المرأة التي تحولت – وفق الروايات المتداولة – من بائعة خضار بسيطة إلى واحدة من أبرز الشخصيات النافذة في عالم التجارة غير المشروعة. وتُعرف في بعض السرديات باسم "نبوية"، ابنة أحد التجار المعروفين في المنطقة، وتمثل قصتها نموذجًا دراميًا لصعود شخصية نسائية في بيئة يهيمن عليها الرجال، مستفيدة من ذكائها الاجتماعي وقدرتها على بناء شبكات علاقات ونفوذ. وبغض النظر عن التفاصيل المتباينة حول حياتها، فإن اسمها أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بالحي، يجمع بين الإعجاب بجرأة الشخصية، والانتقاد الأخلاقي لطبيعة نشاطها.
لم يقتصر حضور الباطنية على الواقع الاجتماعي، بل امتد إلى الأدب، حيث استدعاها الأديب الكبير يوسف إدريس في قصته الشهيرة ضمن مجموعة بيت من لحم، وخاصة في قصة "أكان لا بد يا ليلى أن تضيئي النور؟"، في هذا العمل، لا تظهر الباطنية كمجرد حي، بل كرمز مكثف للصراع بين المثال والواقع، بين التدين النظري والضعف الإنساني. الإمام الشاب الذي يسعى لهداية أهل الحي يجد نفسه منجذبًا إلى عالمهم، وتنقلب محاولته الإصلاحية إلى انكسار أخلاقي أمام فتنة "لي لي"، التي تصبح رمزًا للإغراء وكشف المستور. هنا تتحول الباطنية إلى فضاء رمزي يعكس هشاشة الإنسان أمام رغباته، ويطرح تساؤلات عميقة حول حدود المثال في مواجهة الواقع.
أما في السينما، فقد رسّخت صورة الحي بقوة من خلال فيلم الباطنية المأخوذ عن رواية للكاتب إسماعيل ولي الدين، والذي قامت ببطولته نادية الجندي. قدّم الفيلم صورة درامية مكثفة لعالم تجارة المخدرات داخل الحي، وركّز على شخصية امرأة قوية تتصدر هذا العالم، في معالجة تجمع بين الإثارة الاجتماعية والصراع النفسي. وقد أثار الفيلم جدلًا واسعًا عند عرضه، وساهم في تثبيت صورة الباطنية في المخيال الشعبي كمكان مرتبط بالجريمة والسطوة النسائية الاستثنائية.
اليوم تعود القصة إلى الواجهة من خلال مسلسل مناعة، الذي تقوم ببطولته هند صبري، ومن إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ويبدو أن العمل الجديد يسعى إلى تقديم قراءة درامية معاصرة للقصة، لا تكتفي بسرد وقائع الصعود في عالم الجريمة، بل تحاول تفكيك السياق الاجتماعي الذي أنتج هذه الظواهر، فالمسلسل يلامس قضايا الفقر والسلطة والنفوذ، وصورة المرأة بين التمكين والانحراف، والعلاقة المعقدة بين المجتمع والهامش.
إن حكاية الباطنية ليست مجرد قصة حي ارتبط بالمخدرات، بل هي قصة مدينة تتغير، ومجتمع يتبدل، وأفراد يحاولون النجاة أو الصعود في ظروف قاسية. وهي أيضًا مثال على كيفية تحوّل المكان من جغرافيا محددة إلى رمز ثقافي متعدد الدلالات: في كتب التاريخ، وفي الأدب، وفي السينما، وأخيرًا في الدراما التليفزيونية، وبين الأزقة الضيقة والمقاهي الممتدة حتى الفجر، تتقاطع الحقيقة بالأسطورة، والواقع بالسرد الفني، لتبقى الباطنية مساحة مفتوحة للتأويل، ومرآة تعكس وجوهًا متعددة من المجتمع المصري عبر الزمن.