لم تكن المشاهد الصادمة التي عرضها مسلسل "مناعة" خلال السباق الرمضاني الحالي، حول استخدام التكنولوجيا الحديثة في تهريب وتوزيع المواد المخدرة، مجرد خيال درامي، بل هي انعكاس لواقع معقد يحاول فيه أباطرة الكيف استغلال الطفرة الرقمية للإفلات من قبضة القانون، حيث تحولت ساحة المواجهة بين تجار السموم والأجهزة الأمنية إلى "صراع أدمغة" تكنولوجي يستخدم فيه المهربون أحدث الوسائل التقنية لتأمين تجارتهم المحرمة بعيداً عن الأعين.
ورصد التقرير تحولاً جذرياً في أساليب العصابات الإجرامية، التي بدأت في استخدام طائرات "الدرونز" المسيرة لنقل الشحنات عبر الحدود والمناطق الوعرة، فضلاً عن الاعتماد على تطبيقات المحادثات المشفرة التي يصعب تعقبها لتحديد نقاط التسليم والتسلم، واستخدام العملات الرقمية المشفرة في تحصيل قيمة الصفقات لضمان عدم تتبع مسار الأموال، وصولاً إلى فكرة "الدليفري الإلكتروني" التي عرضها المسلسل، حيث يتم وضع المواد المخدرة في نقاط جغرافية محددة وإرسال إحداثياتها للمشتري عبر نظام تحديد المواقع "جي بي إس" لضمان عدم التقابل المباشر.
وفي المقابل، لم تقف أجهزة وزارة الداخلية مكتوفة الأيدي أمام هذا الغزو التكنولوجي، بل طورت منظومة المكافحة بأحدث الوسائل التقنية والرادارية التي مكنتها من إحباط عشرات المحاولات لتهريب المخدرات عبر "الحدود الذكية"، حيث نجحت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في توجيه ضربات استباقية قاصمة لعدة تشكيلات عصابية كانت تدير نشاطها عبر "الإنترنت المظلم"، وتمكنت الكوادر الأمنية المدربة على أعلى مستوى من اختراق تلك الشبكات وفك شفراتها السرية، وضبط كميات هائلة من المواد المخدرة قبل وصولها إلى الشباب.
إن الرسالة التي قدمها مسلسل "مناعة" كانت بمثابة جرس إنذار للمجتمع، لكن الواقع يؤكد أن العقل الأمني يتفوق دائماً بخطوات في هذه الحرب المعلوماتية، حيث يتم تحديث المنظومة الأمنية باستمرار لملاحقة أي تطور في أساليب التهريب، مما أدى إلى تضييق الخناق على المهربين وتحويل أحلامهم في "التجارة الآمنة" عبر التكنولوجيا إلى كوابيس تنتهي خلف القضبان، لتظل الدولة المصرية حائط صد منيعاً ضد كل من يحاول العبث بعقول شبابها ومستقبلهم.