تعدُ رسالة الغفران لأبي العلاء المعري إحدى درر الأدب العربي فهى رسالة نثرية في رداء روائي نقدي ولسان فلسفي يجسد كوميديا إلهية، مسرح البشر فيها يكون الجنة والنار، وتضم هذه الرسالة آراء أبى العلاء المعرى في الدين، والعلم، والأخلاق، وفي أساليب الشعوب وفنونها، وقد كتبها ردا على رسالة ابن القارح الذي جعل منه فارسًا يمتطي جواد رسالته الخيالية التي حاور فيها الشعراء والأدباء واللغويين.
محتوى رسالة الغفران
يستهل أبو العلاء المعري رسالته بذكر الأثر الطيب لرسالة ابن القارح في نفسه، ثم يطلق العَنانَ لخياله الجامح؛ فيصفُ لنا المنزلة التي وصل لها ابن القارح في الدار الآخرة، كما يصنف مراتب الشعراء في الجنة والنار بما شفع لهم من أشعارٍ أنزلتهم منازل رياض الجنة كزهير بن أبي سلمى، فالخيال في هذه الرسالة مزين ببريق من هدي الواقع، وهذا ما كفل لهذه الرسالة منطقية العرض رغم ارتدائها أثواب من الخيال.
الأهمية الأدبية لرسالة الغفران
تُعتبر رسالة الغفران من أوائل القصص الخيالية العربية التي تصف العالم الآخر "الجنة والنار" بأسلوب روائي وسخرية فنية، حيث جعل المعري من الأسطورة مطية للنقد الاجتماعي والفكري وقد حوت الرسالة محاورات نقدية غاية في الروعة مع شعراء ولغويين وقدمت نقداً حقيقا للمجتمع، وعكست آراء المعري الفلسفية في الدين، والأخلاق، والشك، معبرة عن شخصيته في عالم الفكر.
كيف تأثر دانتى بالمعري في رسالة الغفران؟
بحسب العديد من النقاد والباحثين فإن "دانتى" تأثر فى كتابته للكوميديا الإلهية بكتاب "رسالة الغفران" لأبى العلاء المعرى، خاصة فى الخيال القرآنى، الذى كان أول من تحدث بتمثيلات مدهشة عن عوالم الجنة والنار، إضافة إلى الأدبيات الفقهية الروائية التى استقت منه واستفاضت فى تفسيره.
ووفقا لكتاب "مقاربة بين رسالة الغفران للمعرى والكوميديا الإلهية لدانتي" يبين عمر فروخ رأيه فى مسألة العلاقة بين دانتى والمصادر العربية، فيتأرجح بين موقفين أولهما: أن دانتى متأثر برسالة الغفران، وثانيهما تأثره بقصة المعراج بأسلوب تميز بالطابع الإنشائى، ثم يقول: "يقترب دانتى من لزوميات المعري، ولكنه اهتم بكتابه المشهور رسالة الغفران، وبنى عليه ملحمته المشهورة "الكوميديا الإلهية".