يقطع الدم داخل جسم الإنسان مسافات كبيرة في اتجاهات مختلفة، لكن إحدى أكثر العمليات إثارة للاهتمام هي عودة الدم من القدمين والساقين إلى القلب رغم تأثير الجاذبية، خاصة عندما يقف الإنسان لفترات طويلة دون حركة، فبينما يدفع القلب الدم عبر الشرايين إلى أنحاء الجسم، يحتاج الدم الوريدي إلى مجموعة من الآليات التي تساعده على الصعود من الأطراف السفلية والعودة إلى القلب.
وفقًا لما نشره موقع MyTutor، فإن فهم هذه العملية يعتمد على مجموعة من الآليات الفسيولوجية، أبرزها حركة العضلات، والتغيرات التي تحدث أثناء التنفس، إلى جانب صمامات الأوردة التي تساعد على توجيه الدم في الاتجاه الصحيح.
لماذا تمثل الجاذبية تحديًا لعودة الدم؟
عندما يقف الإنسان، يصبح القلب أعلى من القدمين، وبالتالي يتأثر الدم الموجود في أوردة الساقين بالجاذبية، ما يجعله يميل إلى التجمع في الأطراف السفلية.
وهذا التجمع لا يمثل مشكلة كبيرة لدى الشخص الذي يتحرك بصورة طبيعية، لأن الجسم يمتلك آليات تساعد على دفع الدم إلى أعلى. لكن الوقوف لفترة طويلة دون حركة قد يجعل عودة الدم الوريدي أكثر صعوبة، وقد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى الشعور بالدوخة أو عدم الاتزان نتيجة انخفاض وصول الدم إلى الدماغ.
وتظهر أهمية هذه الآليات بوضوح في حالات الوقوف الثابت لفترة طويلة، حيث يمكن أن يتجمع جزء كبير من الدم في أوعية الساقين.
مضخة عضلات الساق تدفع الدم إلى أعلى
تُعد حركة عضلات الساق من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الجسم لتعزيز عودة الدم الوريدي.
عند المشي أو تحريك الساقين، تنقبض عضلات الساق المحيطة بالأوردة، فتضغط عليها وتساعد على دفع الدم إلى أعلى باتجاه القلب. وتعمل صمامات موجودة داخل الأوردة على منع رجوع الدم إلى الأسفل مرة أخرى، وبذلك يتحرك الدم تدريجيًا في الاتجاه الصحيح.
وتلعب عضلة النعل، الموجودة في الجزء الخلفي من الساق، دورًا مهمًا في هذه العملية، إذ تحتوي المنطقة المحيطة بها على أوعية وريدية يمكن أن تعمل كمخزون للدم أثناء الوقوف، بينما يساعد انقباض العضلة على دفع الدم باتجاه القلب.
ولهذا السبب، فإن المشي وتحريك القدمين والساقين لا يساعدان فقط على حركة الجسم، بل يساهمان أيضًا في الحفاظ على كفاءة الدورة الدموية والعودة الوريدية.
ماذا يحدث عند الوقوف دون حركة؟
عندما يقف الإنسان بلا حركة لفترة طويلة، تتوقف تقريبًا المساعدة التي توفرها انقباضات عضلات الساق المستمرة، ما يسمح بتجمع كمية أكبر من الدم في الأطراف السفلية.وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض كمية الدم العائدة إلى القلب، وبالتالي انخفاض كمية الدم التي يستطيع القلب ضخها في كل ضربة.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يتسبب انخفاض وصول الدم إلى الدماغ في الشعور بالدوار أو فقدان الوعي. وعندما يسقط الشخص ويصبح في وضع أفقي، تقل مشكلة تجمع الدم في الساقين بفعل الجاذبية، ويمكن أن تتحسن عودة الدم إلى القلب ووصوله إلى الدماغ.
التنفس يساعد القلب على استقبال الدم الوريدي
لا تقتصر مساعدة الجسم على عضلات الساق، فالتنفس نفسه يشارك في عملية عودة الدم إلى القلب من خلال ما يعرف باسم المضخة التنفسية.
أثناء الشهيق، يتسع القفص الصدري وينخفض الحجاب الحاجز، ما يؤدي إلى تغيرات في الضغوط الموجودة داخل الصدر. ويساعد انخفاض الضغط في منطقة الصدر على تعزيز حركة الدم الوريدي القادم من أجزاء الجسم المختلفة باتجاه القلب.
ويُسهم ذلك في زيادة كمية الدم التي تصل إلى الجانب الأيمن من القلب، وهو ما يؤثر بدوره في كمية الدم التي يستطيع القلب ضخها مع النبضة التالية.
لماذا يزداد تأثير هذه الآليات عند الحركة؟
يعمل الجهاز الدوري وفق منظومة متكاملة، فالقلب يضخ الدم إلى الشرايين، بينما يحتاج الدم العائد عبر الأوردة إلى مساعدة إضافية، خصوصًا من المناطق الواقعة أسفل مستوى القلب.
ولهذا فإن المشي وتحريك الكاحلين وثني الساقين من وقت لآخر يساعدان على تنشيط مضخة عضلات الساق وتقليل تجمع الدم في الأطراف السفلية.
أما الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة دون حركة، فقد يقلل من هذه المساعدة العضلية، وهو ما يفسر أهمية تغيير الوضعية والحركة بصورة منتظمة في الحياة اليومية.
ماذا يحدث للجسم إذا أصبح الإنسان مقلوبًا لفترة طويلة؟
طرح المصدر سؤالًا مثيرًا للتفكير حول ما يمكن أن يحدث إذا ظل الإنسان معلقًا ورأسه إلى أسفل لفترة طويلة.
في هذه الحالة، تتغير العلاقة المعتادة بين القلب والقدمين والجاذبية، فيزداد تأثير الجاذبية على توزيع الدم في الجسم، ويتجه المزيد من الدم نحو الجزء الموجود في الأسفل، أي ناحية الرأس والصدر.
وهذا يختلف تمامًا عن الوضع الطبيعي الذي يتعامل فيه الجسم باستمرار مع تجمع الدم في الساقين أثناء الوقوف. لذلك فإن تغيير وضع الجسم بصورة كبيرة يمكن أن يفرض تحديات مختلفة على تنظيم ضغط الدم وتوزيع الدم داخل الأوعية.
وتوضح هذه المقارنة مدى تعقيد الجهاز الدوري؛ فالجسم لا يعتمد على القلب وحده في الحفاظ على حركة الدم، وإنما يستخدم العضلات والتنفس وصمامات الأوردة وتغيرات الضغط داخل الصدر للمحافظة على تدفق الدم بصورة مستمرة.