هل لاحظت يومًا أن ابنك المراهق لا يستطيع النوم إلا بعد منتصف الليل، ثم يكافح للاستيقاظ في الصباح وكأن جسده يرفض الاستجابة؟ قد تبدو هذه الحالة مجرد عادة سيئة، لكنها في الواقع تعكس اضطرابًا بيولوجيًا معقدًا يُعرف بـ«اضطراب تأخر مرحلة النوم والاستيقاظ»، أحد أكثر اضطرابات النوم شيوعًا في مرحلة المراهقة، وأكثرها تجاهلًا في العيادات والمنازل على السواء.
وفقًا لتقرير نشره موقع Medscape News Europe، هذا الاضطراب ليس مجرد تأخر بسيط في ميعاد النوم، بل هو خلل فعلي في الإيقاع الحيوي للجسم. يتأخر توقيت الساعة البيولوجية الداخلية عدة ساعات عن النمط الطبيعي، فيجد المصاب نفسه عاجزًا عن النوم في الوقت الذي يفرضه عليه المجتمع أو الدراسة، مما يؤدي إلى حرمان مزمن من النوم ينعكس على المزاج والتركيز والتحصيل الدراسي.
اضطراب يتخفّى خلف الأرق والكسل
يبدأ الأمر عادة في سنوات المراهقة الأولى حين تتبدّل حساسية الدماغ للضوء وتزداد استجابة الهرمونات الليليّة مثل الميلاتونين بشكل متأخر. هذه التغيرات، إلى جانب الاستخدام المفرط للشاشات قبل النوم، تُبطئ عمل الساعة الداخلية وتجعل المراهق مستيقظًا حتى ساعات الفجر. ومع الوقت، يتحول التأخر إلى نمط ثابت يصعب كسره حتى في عطلات نهاية الأسبوع.
يُصنَّف هذا الاضطراب اليوم كأحد الأسباب الرئيسة للأرق عند المراهقين، رغم أن المصابين به ينامون جيدًا حين يُسمح لهم بالنوم في الوقت الذي يتوافق مع ساعتهم البيولوجية، أي بعد منتصف الليل.
علاقة ثلاثية تُفاقم المشكلة
تكشف الدراسات الحديثة عن علاقة معقدة بين اضطراب تأخر النوم، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، ومتلازمة تململ الساقين. يجتمع الثلاثة أحيانًا في ما وصفته الطبيبة سيلفي رويان-بارولا بـ«الثلاثية المدمّرة». فعندما يُصاب المراهق بفرط النشاط إلى جانب اضطراب النوم، يصبح التركيز أكثر صعوبة، وتزداد فرص ظهور القلق والاكتئاب. كما أن الحرمان المستمر من النوم قد يُحفّز متلازمة تململ الساقين، خصوصًا عند وجود نقص في الحديد.
يؤكد الخبراء أن تقييم مستوى الحديد في الدم خطوة أساسية في تشخيص هذه الحالات المتداخلة، لأن انخفاض الفيريتين — وهو المخزون الأساسي للحديد — يُضعف تنظيم الدوبامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي مسئول عن التحكم في النوم والحركة.
حين يختل التوازن بين الضوء والظلام
يتأثر توقيت النوم تأثرًا مباشرًا بالضوء الطبيعي. فالتعرض القليل لضوء النهار، مقابل الإضاءة الصناعية الزرقاء الصادرة من الشاشات ليلًا، يُربك الساعة البيولوجية. لهذا، يُنصح المراهقون المصابون باضطراب النوم المتأخر بالتعرض لضوء الصباح في وقت مبكر، سواء بالخروج من المنزل أو باستخدام العلاج الضوئي الموجّه، وهو أسلوب علاجي يعتمد على تعريض العين لضوء يحاكي إشعاع النهار لإعادة ضبط إيقاع النوم تدريجيًا.
الحركة علاج صامت
يُعد النشاط البدني أحد أقوى الوسائل الطبيعية لتحسين النوم، لكنه سلاح ذو حدّين. فالتمارين المسائية تُنشّط الجهاز العصبي وتزيد من صعوبة الدخول في النوم. لهذا، يُفضَّل ممارسة الرياضة في وقت الظهيرة أو بعد الغداء، إذ يُساعد ذلك في رفع حرارة الجسم ثم انخفاضها لاحقًا، ما يهيئ الجسد للنوم بشكل أفضل في الليل.
الالتزام بروتين يومي ثابت — في النوم، والاستيقاظ، والطعام، والتعرّض للضوء — يعيد تدريجيًا التوازن البيولوجي الذي فقده المراهق.
رعاية متكاملة وليست دواءً واحدًا
يتفق الخبراء على أن إدارة هذا الاضطراب لا يمكن أن تتم من خلال دواء واحد فقط. بل تتطلب خطة متعددة التخصصات تشمل الطبيب النفسي، وطبيب النوم، والأخصائي السلوكي.
يُعد العلاج الزمني (Chronotherapy) والعلاج السلوكي من أنجح الأساليب في هذا المجال، حيث يُعاد جدولة مواعيد النوم تدريجيًا، مع وضع قواعد صارمة لاستخدام الشاشات — بحيث يُمنع التعرض لها قبل النوم بساعة على الأقل.
في الحالات التي تقترن بقلق شديد أو تململ الساقين، قد تُستخدم أدوية مهدئة خفيفة أو مكملات الحديد، لكن بعد تقييم شامل من الطبيب المختص.
إنذار مبكر لصحة المراهق النفسية
يحذر الأطباء من تجاهل اضطرابات النوم المزمنة في سن المراهقة، إذ تُعد من أقوى عوامل الخطر الممهّدة للاكتئاب والأفكار الانتحارية. فالنوم ليس رفاهية، بل هو إعادة شحن حيوية للدماغ والجسد.
وحين يُسلب المراهق حقه الطبيعي في النوم العميق، تتعطل قدرته على التفكير بصفاء، وتضطرب مشاعره، وتتراجع طاقته على التعلّم والحياة.