على مدى سنوات، ظل العسل يُقدَّم في الطب الشعبي كعلاج مهدئ لحرقة المعدة، إذ يُعتقد أنه يُغلف جدار المريء ويُخفف من أثر الأحماض المرتدة من المعدة. لكن العلم الحديث يروي قصة مختلفة، إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذه الفكرة الشائعة قد لا تكون دقيقة تمامًا، بل ربما يأتي العسل بنتائج عكسية لدى بعض الأشخاص.
وفقًا لتقرير نشره موقع Everyday Health لم تُثبت الدراسات الطبية أي فعالية واضحة للعسل في علاج الارتجاع المعدي المريئي، وهو السبب الأكثر شيوعًا للشعور بحرقة في الصدر بعد تناول الطعام.
العسل: بين المذاق الحلو والتأثير المزعج
العسل يُعد من السكريات البسيطة، أي أنه سريع الامتصاص والهضم، مما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في مستوى الجلوكوز في الدم. هذا الارتفاع يخلق ضغطًا تناضحيًا داخل الأمعاء، فيسحب الماء إلى الجهاز الهضمي ويُحدث تمددًا داخل المعدة، الأمر الذي قد يزيد من احتمالية ارتداد الأحماض إلى المريء. قد يؤدي العسل — رغم طبيعته الطبيعية — إلى تفاقم الشعور بالحرقة بدلًا من تهدئتها، خصوصًا عند تناوله بكميات كبيرة أو على معدة ممتلئة.
لماذا يربط البعض بين العسل وتهدئة الحموضة؟
البعض يعتقد أن العسل مفيد لأنه يحتوي على مضادات أكسدة، وهي مركبات تُقاوم الجذور الحرة وتُقلل الالتهاب في أنسجة الجسم. ومع ذلك، تُوضح أن هذا الأثر لا يحدث في المريء مباشرة بعد تناول العسل، لأن الجسم لا يستفيد من مضادات الأكسدة إلا بعد امتصاصها في الأمعاء الدقيقة. أي أن مرور العسل عبر المريء لا يُتيح وقتًا كافيًا لتلك المركبات للعمل بشكل موضعي.
بدائل غذائية قد تساعد فعليًا
إذا لم يكن العسل هو الحل، فما الذي يمكن أن يُخفف أعراض الحموضة؟
تشير التوصيات الطبية إلى أن تناول كوب من الحليب الخالي من الدسم قد يوفر راحة مؤقتة، لأنه يعمل كطبقة عازلة تقلل ملامسة الحمض لجدار المعدة. لكن يجب الانتباه إلى أن الحليب كامل الدسم قد يزيد الأعراض سوءًا بسبب محتواه العالي من الدهون، وهو ما يُحفز إفراز الحمض المعدي.
أما الأطعمة الغنية بـ الألياف — مثل الشوفان، البطاطا الحلوة، الجزر، البروكلي، والفاصوليا الخضراء — فتُعد خيارًا ذكيًا لمن يعانون من الارتجاع. فالألياف تُساهم في الشعور بالشبع وتقليل كمية الطعام المستهلكة، مما يخفف الضغط على المعدة ويُقلل فرص ارتداد الحمض.
نصائح عملية لتجنب الحموضة دون أدوية
التعامل مع حرقة المعدة لا يقتصر على الأطعمة فقط، بل يشمل نمط الحياة بأكمله. من أبرز التوصيات التي أجمع عليها الخبراء:
- تناول الطعام ببطء ومضغه جيدًا لتقليل كمية الهواء المبتلع.
- تجنب الاستلقاء بعد الوجبات مباشرة، وترك فترة ساعتين إلى ثلاث ساعات قبل النوم.
- تقليل الأطعمة الدهنية والمقلية، والمشروبات الغازية، والقهوة.
- رفع مستوى الرأس أثناء النوم باستخدام وسادة مائلة لتقليل ارتجاع الحمض ليلاً.
- الامتناع عن ممارسة الرياضة العنيفة بعد الأكل مباشرة.
توضح الدراسات أن تطبيق هذه الخطوات بانتظام يُخفف من تكرار نوبات الارتجاع بشكل واضح، بينما يمكن استخدام مضادات الحموضة المتاحة دون وصفة طبية في الحالات العرضية. ومع ذلك، إذا استمرت الأعراض أو اشتدت، يُنصح بمراجعة الطبيب لتقييم الحالة ووصف العلاج الأنسب.
حرقة المعدة ليست دائمًا علامة بسيطة على سوء الهضم، بل قد تكون مؤشرًا على اضطراب مزمن يحتاج إلى متابعة دقيقة وتعديل شامل في النظام الغذائي. لذلك، لا تعتمد على الحلول الشعبية وحدها، بل احرص على التوازن الغذائي والعادات الصحية لتستعيد راحة جهازك الهضمي.