- أقباط المهجر يحافظون على الطقوس كاملة
تُعد أعياد القديسين إحدى الركائز الأساسية فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهى ليست مجرد مناسبات تاريخية، بل هى نبض حى فى قلب الوجدان القبطى، وتمثل هذه الأعياد فرصة لتجديد الالتزام الروحى، وتعزيز الروابط المجتمعية، وتأكيد الهوية المسيحية التى صمدت عبر قرون من التحديات، وفى كل عام، تتجلى هذه الأعياد في صور متعددة، من الطقوس الكنسية العميقة إلى التفاعلات الاجتماعية الحافلة بالبهجة. فما هي دلالة هذه الأعياد، وكيف تُحتفل بها داخل مصر وخارجها، وما هو تأثيرها على أقباط المهجر الذين يحملون دائمًا في قلوبهم شعلة الانتماء لكنيستهم ووطنهم ؟
الدلالة اللاهوتية والتاريخية لأعياد القديسين في الكنيسة القبطية
وذكر الأب دوماديوس كاهن كنيسة مارمرقس بأسوان فى تصريحات خاصة لليوم السابع أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تعظم القديسين ليس لعبادتهم، بل لتكريم حياتهم التى كانت نموذجًا حيًا للإيمان المسيحي الأصيل. هؤلاء القديسون، سواء كانوا شهداء سفكوا دماءهم دفاعًا عن المسيح، أو نُسَّاكًا قضوا حياتهم في الصحاري متفرغين للعبادة، أو آباءً للكنيسة أسسوا تعاليمها، هم بحق "سُحب الشهود" الذين يتحدث عنهم الكتاب المقدس. الاحتفال بهم هو تذكير بأن القداسة ممكنة، وأن الإيمان الحي يمكن أن ينتصر على أصعب التحديات. الكنيسة تؤمن بشفاعة القديسين، أي بقدرتهم على الصلاة من أجل المؤمنين أمام الله، مما يعزز العلاقة بين الكنيسة المنتصرة (القديسين في السماء) والكنيسة المجاهدة (المؤمنين على الأرض). كل عيد لقديس يروي قصة، ويعلم درسًا، ويُحفز على حياة أقرب إلى الكمال المسيحي.
الطقوس القبطية العريقة في الاحتفال بأعياد القديسين
وتتميز طقوس الاحتفال بأعياد القديسين في الكنيسة القبطية بالثراء والتنوع، مما يجعلها تجربة روحية فريدة:
القداسات الإلهية والعشيات: تبدأ الاحتفالات عادةً بـعشية العيد في المساء السابق، حيث تُقام صلوات التسبحة والمدائح الخاصة بالقديس. ثم يتوج الاحتفال بـالقداس الإلهي صباح يوم العيد، وهو قمة الاحتفال المسيحي. الكنائس التي تحمل اسم القديس تشهد ازدحامًا كبيرًا من المؤمنين، وتُقام قداسات متتالية أحيانًا لاستيعاب الأعداد المتزايدة.
التسابيح والمدائح والألحان: الألحان القبطية جزء لا يتجزأ من الطقس، ففي أعياد القديسين، تُكرس تسابيح ومدائح خاصة تُعرف بـ"الدفنار" و"المديحة" التي تروي سيرة القديس ومعجزاته. هذه الألحان تُؤدى بطريقة جماعية، وتُساهم في خلق جو من الخشوع والفرح الروحي.
دورة الأيقونات والرفات المقدسة: في العديد من الكنائس والأديرة، تُقام دورات احتفالية بأيقونات القديس، وفي بعض الأماكن التي تحوي رفات أو أجساد القديسين، تُقام دورة بها لإكرامها، وتبارك الشعب بلمس الصناديق التي تحويها، إيمانًا منهم بقوة شفاعة القديسين.
النذور والاحتفالات الشعبية: يتوافد المؤمنون على الكنائس والأديرة لتقديم النذور والشموع وطلب شفاعة القديسين. في القرى والمناطق الريفية، تُعدّ "اللقمة" أو "الخيمة" إحدى المظاهر الاجتماعية المميزة، وهي موائد طعام تُعدّ وتوزع كذبيحة شكر للقديس، وتُجمع حولها الأسر والأصدقاء في جو من المحبة والألفة.
أبرز أعياد القديسيين
ومن بين أبرز القديسين الذين تحتفل بهم الكنيسة القبطية بأعياد كبرى وشعبية واسعة:
عيد مارجرجس الرومانى: يُعرف بـ"أبو الرجالة" ويُقام له العديد من الموالد الكبيرة في مختلف المحافظات، أبرزها مولد مارجرجس بميت دمسيس، ويُعد من أكثر القديسين شعبية لما يُنسب له من معجزات قوية.
عيد الشهيد العظيم مارمينا العجائبى: قديس ذو شعبية جارفة، وله دير كبير يحمل اسمه في مريوط بالإسكندرية. تُقام له احتفالات ضخمة ويُعد مقصدًا للزوار على مدار العام.
عيد السيدة العذراء مريم: وهي "شفيعة الأقباط" والأكثر تكريمًا. لها أعياد عديدة على مدار العام، أشهرها عيد صعود جسدها (16 مسرى)، وعيد ظهورها بالزيتون، وموالدها الكثيرة مثل مولد درنكة بأسيوط، التي تجذب مئات الآلاف من الزوار.
عيد البابا كيرلس السادس: قديس معاصر له محبة خاصة في قلوب الأقباط، ويُقام له عيد في ذكرى نياحته (وفاته)، ويتوافد الأقباط على ديره بمصر القديمة.
عيد الأنبا بيشوي: أحد الآباء النُسّاك في وادي النطرون، وله دير كبير يحمل اسمه، ويُعد من القديسين المهمين في تاريخ الرهبنة القبطية.
أقباط المهجر: الحفاظ على الإرث فى بلاد الاغتراب
ويشكل أقباط المهجر جزءًا لا يتجزأ من جسد الكنيسة القبطية، ورغم آلاف الأميال التي تفصلهم عن أرض الوطن، يظل تفاعلهم مع أعياد القديسين نابضًا بالحياة ويحمل خصوصية فريدة:
إقامة الطقوس القبطية كاملة: في بلاد المهجر، تسعى الكنائس القبطية جاهدة لإقامة كافة الطقوس والاحتفالات الخاصة بأعياد القديسين بنفس الشغف والدقة الموجودة في مصر. هذا يشمل القداسات، التسابيح، وحتى المظاهر الاجتماعية بقدر الإمكان، لخلق شعور بالوطن والكنيسة الأم.
تعليم الأجيال الجديدة: يُعد الحفاظ على الهوية القبطية لأبناء الجيل الثاني والثالث تحديًا كبيرًا. لذلك، يحرص الآباء والكهنة في المهجر على تعليم الأجيال الجديدة قصص القديسين وسيرهم العطرة، وترسيخ أهمية هذه الأعياد في وعيهم، وغرس محبتهم للكنيسة وللقديسين.
التجمعات العائلية والاجتماعية: تُصبح أعياد القديسين مناسبة رئيسية لتجمع العائلات القبطية في بلاد المهجر. هذه التجمعات ليست فقط للعبادة، بل هي فرصة لتبادل الزيارات، وإعداد الأطعمة التقليدية، وإحياء الذكريات، مما يعزز الروابط الاجتماعية والثقافية في مجتمعات المهجر.
الحنين إلى الوطن والكنائس الأم: يعيش الكثير من أقباط المهجر حالة من الحنين الدائم إلى وطنهم وكنائسهم التاريخية. تتجلى هذه المشاعر في زياراتهم المتكررة لمصر خلال فترات الأعياد، وحرصهم على حضور الاحتفالات في الأديرة والكنائس الشهيرة، للشعور بالانتماء والتبرك من الأماكن المقدسة.
استخدام التكنولوجيا لمد الجسور: تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية القبطية دورًا حيويًا في ربط أقباط المهجر بكنيستهم الأم. يمكنهم متابعة الاحتفالات والصلوات مباشرةً من مصر، والمشاركة الروحية، وتبادل المحتوى المتعلق بأعياد القديسين، مما يُقلل من الإحساس بالبعد الجغرافى.
إيمان لا يحده مكان ولا زمان
وتعتبر أعياد القديسين فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر من مجرد مناسبات سنوية؛ وهى تجسيد حى لإيمان راسخ، وتقاليد عريقة، وحياة روحية متجددة، سواء في مصر حيث تتألق الكنائس بأضواء الاحتفالات، أو في بلاد المهجر حيث يتشبث الأقباط بهويتهم، وتظل هذه الأعياد جسرًا يربط الماضي بالحاضر، والأجيال ببعضها البعض، والبشر بالسماء، إنها شهادة حية على إرث روحي عظيم يستمر فى الإلهام والعطاء، مؤكدًا أن الإيمان القبطي لا يحده مكان ولا زمان.