قدمت مصر للعالم كله هدية عظيمة هى المتحف المصرى الكبير، والذى ترك افتتاحه صدى كبير على مستوى العالم، ومن حينها ولا حديث إلا عن متاحف مصر، وهي كثيرة ومتعددة، ولن أستطيع حصرها، لكن نشير إلى بعضها، معتمدين على بيانات صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، ونتحدث عن أكثر من 80 متحفا، من بينها 73 متحف فن وتاريخ، و10 متاحف للعلوم الطبيعية والبحثية، وتتصدر القاهرة القائمة بـ22 متحفًا، تليها الإسكندرية بـ17 متحفًا، ثم الجيزة بـ13 متحفًا.
هذا الرقم، الذى يقترب من 85 متحفًا إذا أُخذ فى الاعتبار المتاحف المغلقة مؤقتًا أو الجارى تطويرها، يرسم خريطة ثقافية ممتدة من وسط القاهرة حتى حدود مصر الشرقية والغربية والجنوبية.
القاهرة.. العاصمة المتحفية
تحتفظ القاهرة بالنصيب الأكبر من المتاحف المصرية، فهى المدينة التى انطلقت منها أول تجربة "متحف قومى" فى المنطقة، مع افتتاح المتحف المصرى بالتحرير أوائل القرن العشرين، والذى لا يزال حتى اليوم أحد أهم مخازن الذاكرة الفرعونية فى العالم، بما يضمه من آلاف القطع التى تغطى تاريخ مصر من عصور ما قبل الأسرات حتى العصرين اليونانى والرومانى.
وإلى جواره برز خلال العقد الأخير المتحف القومى للحضارة المصرية بالفسطاط، الذى أعاد تعريف فكرة المتحف نفسه؛ فهو لا يكتفى بعرض القطع الأثرية، بل يقدم سردًا للحضارة المصرية فى خط متصل، من ما قبل التاريخ حتى العصر الحديث، مع إبراز الحياة اليومية والملبس والمعتقدات، وتحتضن قاعة المومياوات الملكية أشهر ملوك وملكات مصر القديمة فى سيناريو عرض تحوّل إلى أيقونة إعلامية بعد "موكب المومياوات" عام 2021.
وتضم القاهرة أيضًا متحف الفن الإسلامى كأحد أكبر متاحف الفن الإسلامى فى العالم من حيث تنوع مقتنياته؛ من مخطوطات قرآنية نادرة، إلى مشكاوات وزجاج مموّه بالمينا، وخشب محفور، ومنسوجات وتحف معدنية، تغطى بلدانًا وعصورًا مختلفة.
ويحكى المتحف القبطى فى مصر القديمة قصة المسيحية فى مصر، من خلال أيقونات ومنسوجات وخشب كنائسى وأساليب فنية تربط بين الميراث الفرعونى والروح المسيحية.
وفى نطاق القاهرة الكبرى، تتحول بعض البيوت والقصور إلى متاحف لسير الأشخاص والحقب، مثل قصر الأمير محمد على بالمنيل الذى يقدّم نموذجًا فريدًا لذوق الأمراء فى أواخر العصر الملكى، وبيت الكريتلية (متحف جاير أندرسون) فى السيدة زينب، الذى يجمع بين جماليات العمارة الإسلامية ومقتنيات جامع إنجليزى عاشق للشرق، إلى جانب متاحف شخصية مثل متحف طه حسين ومتحف جمال عبد الناصر وغيرها من البيوت–المتاحف المنتشرة فى أحياء العاصمة.
الجيزة.. واجهة جديدة ببوابة الأهرامات
فى الجيزة تتجسد الخريطة المتحفية الجديدة لمصر عبر المتحف المصرى الكبير المطل على هضبة الأهرامات، والذى يُعد أكبر متحف أثرى فى العالم مكرّسًا لحضارة واحدة، المتحف، الذى يضم عشرات الآلاف من القطع، على رأسها المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، ويقدم اليوم باعتباره "بوابة مصر الحضارية الجديدة"، وذراعًا اقتصادية وثقافية معًا بفضل بنيته التحتية الحديثة والشراكات الدولية المرتبطة به.
ولا تقتصر الجيزة على هذا الصرح؛ ففى ميت رهينة يعمل متحف منف المفتوح كحديقة من التماثيل والكتل المعمارية الفرعونية فى الهواء الطلق، بينما يربط متحف إيمحتب فى سقارة بين الموقع الأثرى المحيط به وسيرة المعمارى العبقرى الذى صمم هرم زوسر المدرج، فى محاولة لتقريب "فكرة البناء" من الزائر العادى.
وعلى الضفة الأخرى من النيل، يحتفظ متحف محمد محمود خليل وحرمه بإحدى أهم مجموعات الفن الأوروبى فى المنطقة، حيث يستضيف لوحات وأعمالًا لكبار فناني القرن التاسع عشر، فيما يقدم المتحف الزراعى بالدقى سردية مختلفة عن علاقة المصريين بالأرض والزراعة، عبر قاعات متخصصة للنباتات والحيوانات والحشرات الزراعية.
الإسكندرية.. ذاكرة المتوسط
تعد الإسكندرية ثانى أكبر تجمع للمتاحف بعد القاهرة، وتقدم غالبًا بوصفها "مدينة المتاحف المفتوحة على البحر"، فى قلبها يقف المتحف القومى بالإسكندرية داخل قصر إيطالى الطراز، ليحكى تاريخ المدينة منذ كانت عاصمة للعالم الهلينستى، مرورًا بالعصور الرومانية والقبطية والإسلامية، وصولًا إلى القرن التاسع عشر.
ويعود المتحف اليونانى الرومانى، بعد مشروع ترميم طويل، ليلعب دور "الذاكرة الكلاسيكية" للمدينة، بما يضمّه من تماثيل وآثار تعكس لحظة التمازج بين الحضارتين المصرية واليونانية، إلى جواره، يقدم متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية نموذجًا لمتحف حديث داخل مؤسسة ثقافية كبرى، مع قطع منتقاة من حفائر البر والبحر.
فى المقابل، يروى متحف المجوهرات الملكية فى زيزينيا سيرة أخرى؛ سيرة "الذهب والتاج"، عبر عرض مجوهرات وأوسمة أسرة محمد على فى قصر تكتمل فخامته بلوحاته الجدارية وزجاجه الملون، بينما يحتفى بيت كفافيس بسيرة شاعر الإسكندرية اليونانى الشهير عبر شقة صغيرة تحولت إلى متحف أدبى مميز.
متاحف الأقاليم.. ذاكرة المدن الصغيرة
خارج العاصمة والمدينتين الكبيرتين، تمتد خريطة المتاحف إلى محافظات الدلتا والقناة، حيث تعمل متاحف إقليمية على تثبيت ذاكرة المدن الصغيرة.
فى الدلتا، يقف متحف طنطا كمتحف أثرى رئيسى للغربية، يعرض آثارًا من عصور مختلفة ويخدم دورًا توعويًا لأهالى المدينة، بينما يحكى متحف تل بسطة بالشرقية تاريخ مدينة "بوباستيس" القديمة ومركز عبادة الإلهة باستت، وفى كفر الشيخ، يعرض متحف كفر الشيخ تراث الإقليم من خلال قطع من مواقع مثل سخا، ضمن سيناريو يربط الزائر بتاريخ المحافظة عبر العصور.
وعلى ضفاف فرع رشيد، يتحول أحد البيوت التاريخية إلى متحف رشيد الوطنى، حيث يلتقى تاريخ حجر رشيد مع سيرة المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية والاحتلال البريطانى، بينما تتوزع فى مدن القناة متاحف ذات طبيعة خاصة؛ مثل متحف الإسماعيلية الأثرى، ومتحف السويس القومى الذى يروى تاريخ بوابة مصر إلى الشرق، ومتحف بورسعيد الحربى الذى يوثق مقاومة العدوان الثلاثى.
وفى مطروح، يجمع متحف مطروح بين آثار الصحراء والساحل، ويقدم متحف كهف روميل فى مرسى مطروح ذاكرة الحرب العالمية الثانية من قلب كهف طبيعى كان مقرًا للقائد الألمانى روميل، عبر خرائط وصور ووثائق عسكرية.
الصعيد.. المتحف بوابة إلى المواقع الأثرية
يمتد الخيط المتحفى جنوبًا مع نهر النيل، حيث تعمل المتاحف كـ"مراكز تفسير" للمواقع الأثرية المحيطة بها، فى الفيوم، يقف متحف كوم أوشيم بوصفه بوابة إلى عالم الواحات القديمة وبورتريهات الفيوم الشهيرة، بينما يقدم متحف ملوى بالمنيا، بعد إعادة افتتاحه، نموذجًا لإحياء متحف إقليمى تضرر ثم عاد أكثر حداثة.
فى سوهاج، يقدّم المتحف القومى بسوهاج رؤية متماسكة لدور المحافظة فى تاريخ مصر القديمة والقبطية والإسلامية، مع إبراز موقع أبيدوس بوصفه مركزًا دينيًا محوريًا، وفى أسيوط وبنى سويف تعمل المتاحف الإقليمية على تجميع آثار المواقع المنتشرة فى الجبال والقرى، لتقريبها من الجمهور المحلى.
وفى الأقصر وأسوان، يكمل متحف الأقصر ومتحف التحنيط ومتحف النوبة ومتحف أسوان الدور الذى تلعبه المعابد والجبانات، عبر عرض قطع منتقاة تشرح السياق التاريخى والدينى والفنى للآثار الموجودة فى البر الشرقى والغربى، وفى مواقع النوبة القديمة على ضفاف بحيرة ناصر.
سيناء والبحر الأحمر والواحات.. أطراف الخريطة
على أطراف الخريطة، تعمل متاحف الحدود والواحات والساحل كجسور بين السياحة الشاطئية أو البيئية وبين الهوية الحضارية لمصر.
فى سيناء، يقدم متحف العريش القومى ومتحف شرم الشيخ سردية مزدوجة عن تاريخ شبه الجزيرة وتراثها البدوى من ناحية، وعن الحضارة المصرية القديمة من ناحية أخرى، فى محاولة لربط زوار الشواطئ بتاريخ البلاد العميق.
وعلى ساحل البحر الأحمر، يقدم متحف الغردقة أول تجربة شراكة بين وزارة السياحة والآثار والقطاع الخاص فى إنشاء متحف، مستهدفًا المزج بين السياحة الترفيهية والسياحة الثقافية لآلاف الزوار سنويًا.
أما فى الوادى الجديد، فيحكى متحف الوادى الجديد بالخارجة قصة الواحات وعلاقتها بطرق القوافل القديمة، عبر قطع من معابد هيبس وغيرها من المواقع الصحراوية.