يطالعنا القرآن الكريم بقوله "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ(82)وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ".
ثم يطالعنا النبى الكريم (ص) بقوله "من أذى ذميًا فقد أذانى، ومن أذانى، فقد أذى وبقوله "من ظلم معاهدا أو انتقصة حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا خصيمه يوم القيامة"، ويقول عمر بن الخطاب فى أحد كتبه إلى عمر بن العاص والى مصر "أن معك أهل الذمة والعهد فاحذر يا عمرو أن يكون رسول الله خصمك، كما قال فى عهده لأهل بيت المقدس عقب فتح المسلمين له، "هذا ما أعطى عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبرئيها وسائر ملتها، أنه لا تُسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صلبانهم ولا من أموالهم".
ويذكر لنا يحيى بن آدم فى كتابه "الخراج" أنه لما حضرت الوفاة عمر أوصى لمن بعده بقوله "أوصى الخليفة من بعدى بأهل الذمة خيراً، وأن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم".
كما يروى لنا ابن المقفع أن أحد أعيان الفرس – وكان ذمياً – كانت له ضيعة تلاصق أرضًا يملكها حاكم وكان واليًا لعمر بن الخطاب، فطوعت نفس الحاكم له اغتصاب ضيعة النصرانى، فاغتصبها، ثم زجره ونهره، فما كان من زوجة النصرانى إلا أن أشارت على زوجها بالذهاب إلى عمر رضى الله عنه فى المدينة، فذهب إليه فوجده جالسًا فى عباءة ممزقة، فشكا إليه النصرانى ظلم الوالى، فكتب عمر رسالة موجزه جاء فيها "أنصف الذمى من نفسك وإلا فأقبل علينا والسلام"، ثم لم يجد عمر رضى الله عنه ما يربط به الرسالة فقطع قطعة من عباءته ولف بها الصحيفة وأعطاها للرجل، فلما ذهب إلى الوالى، أعطاه الوالى أرضه وعرض عليه الزيادة استرضاءً له.
تلك هى النصوص والوقائع التاريخية التى أنصفت النصارى، فقد عاشوا فى مدينة النبى (ص) فى أمن وأمان، بل ومنهم من بشر النبى وأيده وناصره، فلن ينسى التاريخ الإسلامى أبدا تأييد ورقة بن نوفل للنبى الكريم (ص) وقوله له "ليتنى أكون حيًا حين يخرجك قومك، لئن عشت لأنصرك نصراً مؤزوا" كذلك لن ينسى التاريخ أبدًا ذاك الدور العظيم الذى قام به النجاشى ذلك الحاكم العادل الذى شهد له النبى (ص) بأنه لا يظلم عنده أحد، ذاك الرجل العظيم الذى استقبل وفود الهجرة الأولى من ضعاف المسلمين ورفض أن يردهم إلى قريش رغم ما أغدقته عليه قريش من عطايا وهدايا، ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل بكى عندما سمع القرأن وقال قولته الخالدة "والله أن هذا والذى جاء به عيسى لينبعان من مشكاه واحدة".
إذاً، سبقت الأيادى البيضاء للنصارى على الإسلام، فهم أهل تسامح ومحبة وخوف من الله، أهل مودة، وصدق القرآن، عندما وصفهم بالبكائين فى قوله "ترى أعينهم تفيض من الدمع" ولكن للأسف، بل وبكل أسى وحزن، رغم هذه السوابق والشواهد الإلهية والنبوية والتاريخية إلا أنه لا يزال هناك بعض من الدعاة الذين يسيئون للنصارى على المنابر فى الوقت الذى تفتك بمصر المحن وتتكالب عليها المصائب من كل حدب وصوب، وفى الوقت الذى تتعالى فيه أصوات العقلاء بالنداء بالسلام والوحده والمحبة.
إننى أنادى على وزير الأوقاف بأعلى صوت، يا وزير الأوقاف حاسب كل من يسىء للنصارى على المنابر لأنهم ليسوا مستأجرين فى مصر، هم شركاء وطن وليسوا معتدين أو مغتصبين حتى يساء لهم على المنابر، الواقعة مثبته لدى بالشهود العيان، والتحقيق واجب، ليس دفاعًا عن حق النصارى، لأن حقهم أثبته الله فى كتابه وأيدته السنة النبوية فى نصوصها، ولكن فقط حرصًا على ثقافة المودة والتسامح والتراحم التى جاء بها الإسلام، حرصًا على وحدة مصر العظيمة من شر الفتن والمؤامرات، فهل يستجيب وزير الأوقاف لهذا النداء؟.
د. محمد ممدوح عبد المجيد يكتب: هل يستجيب وزير الأوقاف؟
الأربعاء، 06 أغسطس 2014 04:06 م
صورة أرشيفية