فرنسا تواجه فاتورة المناخ وسط أزمة الميزانية.. موجة الحر والحرائق تهددان الاقتصاد.. باريس تبحث عن مليارات للتكيف معها وخفض عجز الموازنة.. الدين العام يتجاوز 3.5 تريليون يورو.. ومقترح لاستخدام مدخرات المواطنين

الجمعة، 21 أغسطس 2026 06:00 ص
فرنسا تواجه فاتورة المناخ وسط أزمة الميزانية.. موجة الحر والحرائق تهددان الاقتصاد.. باريس تبحث عن مليارات للتكيف معها وخفض عجز الموازنة.. الدين العام يتجاوز 3.5 تريليون يورو.. ومقترح لاستخدام مدخرات المواطنين الحر والحرائق فى فرنسا

كتبت: هناء أبو العز

تحولت موجة الحر الشديدة والحرائق التي ضربت مناطق واسعة فى فرنسا خلال الصيف إلى أزمة مالية تضغط على الحكومة الفرنسية، لتجد نفسها مطالبة بتوفير مليارات اليورو لإعادة إعمار المناطق المتضررة والاستعداد لموجات حر وحرائق وجفاف أكثر شدة في المستقبل، في وقت تواجه فيه البلاد أصلا أزمة ديون وعجز في الموازنة.


وتأتي هذه الضغوط في توقيت بالغ الصعوبة بالنسبة للحكومة الفرنسية، إذ تتجاوز ديون البلاد العامة 3.5 تريليون يورو، بينما تحاول باريس خفض عجز الموازنة من 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي المسجل العام الماضي إلى 3% بحلول عام 2029، بما يتوافق مع القواعد المالية للاتحاد الأوروبي.


وفي الوقت نفسه، تعهدت فرنسا بزيادة الإنفاق الدفاعي بمليارات اليورو خلال السنوات المقبلة، بينما استبعدت الحكومة اللجوء إلى زيادات ضريبية كبيرة، ما يترك مساحة محدودة أمام تمويل إجراءات جديدة للتعامل مع تداعيات تغير المناخ.


كل ذلك مع اقتراب مناقشة موازنة العام المقبل أمام برلمان منقسم، وفي ظل الاستعداد للانتخابات الرئاسية، إذ سيكون عليها الموازنة بين خفض العجز والوفاء بالتزاماتها الدفاعية، وتوفير الأموال اللازمة لحماية البلاد من آثار تغير المناخ.

 

فرنسا تدفع فاتورة موجة الحر والحرائق

وأظهرت الحرائق التي اجتاحت مناطق فرنسية خلال الصيف حجم التحدي الذي تواجهه البلاد، بعدما دمرت النيران منازل وأجبرت آلاف السكان على مغادرة مناطقهم، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالغابات والماشية والأنشطة الاقتصادية.


وخلال زيارة إلى بلدة لا بورج جنوب غربي فرنسا، حيث شاهد مئات السكان منازلهم التي دمرتها الحرائق خلال يوليو الماضي، استعرض رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو مجموعة من الإجراءات لمساعدة المتضررين على إعادة بناء منازلهم وضمان استمرار الشركات الأكثر تضررا من الحرائق.


وتضمنت الإجراءات 12 مليون يورو من المساعدات المباشرة للإدارتين المحليتين الأكثر تضررا، وهما جيروند ولاند، إلى جانب تخفيضات في الضرائب العقارية ومساهمات الضمان الاجتماعي في المناطق المنكوبة، فضلا عن تمويل إضافي لإعادة تشجير الغابات.


وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الإجراءات ستشمل أيضا منطقة فار الواقعة جنوب البلاد.


وقال ليكورنو إن إجمالي قيمة الإجراءات سيصل إلى نحو 100 مليون يورو، إلا أن الحكومة لم توضح بشكل كامل ما إذا كان الرقم يشمل فقط المناطق التي زارها رئيس الوزراء أم يمتد أيضا إلى منطقة فار.


لكن تكلفة موجة الحر لا تتوقف عند المساعدات المباشرة للمناطق المتضررة، إذ قدرت وزيرة التحول البيئي الفرنسية مونيك باربوت الأسبوع الماضي أن الخسائر المباشرة الناجمة عن موجة الحر الصيفية، بما في ذلك فقدان المنازل والدخل، قد تتراوح بين 10 و15 مليار يورو.


ويمثل هذا الرقم، وفقا لتقدير الوزيرة، نحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي الفرنسي، مع تأكيدها أن التقدير لا يزال أوليا.


إلا أن وزير الاقتصاد رولان ليسكور حذر من الإسراع في تحديد التكلفة النهائية للأضرار، مؤكدا أن الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة حجم الخسائر بالكامل.

 

أزمة المناخ تتزامن مع أزمة ديون

بغض النظر عن الرقم النهائي للفاتورة، تواجه الحكومة الفرنسية معضلة أساسية: من أين ستأتي الأموال اللازمة للتعامل مع الأضرار الحالية والاستثمار في إجراءات الوقاية المستقبلية؟.


وتعاني فرنسا بالفعل من مستويات مرتفعة من الدين العام، فيما تواجه ضغوطا أوروبية لخفض العجز وإعادة المالية العامة إلى المسار المستهدف.


وفي تقرير أعد بتكليف من وزارة المالية الفرنسية الشهر الماضي، حذر عدد من كبار الاقتصاديين من حاجة البلاد إلى خفض الإنفاق وزيادة الضرائب بما يصل إلى 125 مليار يورو بحلول عام 2032، لتجنب ارتفاع عجز الموازنة إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد.


وتعني هذه التقديرات أن باريس مطالبة في الوقت نفسه بتقليص الإنفاق العام، وتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي، والاستجابة للأضرار المتزايدة الناتجة عن تغير المناخ.


وترى أصوات داخل البرلمان الفرنسي أن الحكومة لم تقدم حتى الآن خطة واضحة لتوفير التمويل اللازم ليس فقط لمواجهة الأضرار الحالية، ولكن أيضا لتمويل استراتيجية طويلة الأجل للتكيف مع تغير المناخ.
 

مقترح للاستفادة من مدخرات الفرنسيين

وبدأت الحكومة والبرلمان يبحثان عن مصادر تمويل بديلة، من بينها مدخرات الأسر الفرنسية.


وتتمتع الأسر في فرنسا بمعدلات ادخار مرتفعة نسبيا مقارنة بعدد من دول الاتحاد الأوروبي، لكن جزءا كبيرا من هذه المدخرات لا يذهب إلى الأسهم والسندات أو الاستثمارات طويلة الأجل.


واقترحت وزيرة التحول البيئي مونيك باربوت الاستفادة بصورة أكبر من المدخرات الخاصة لتمويل جزء من احتياجات البلاد المتعلقة بالتكيف مع تغير المناخ.


وتدعم النائبة الوسطية صوفي بانوناكل، التي تمثل منطقة باسين داركاشون جنوب غربي البلاد التي تضررت بشدة من الحرائق، مقترحا قدمه نحو 50 نائبا لاستخدام 50 مليار يورو من المدخرات الخاصة لتمويل مشروعات مرتبطة بالتكيف المناخي.


وتشمل هذه المشروعات جعل المباني أكثر قدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، وتركيب مزيد من أجهزة تكييف الهواء في المنشآت العامة، وتعزيز وسائل الحماية من الفيضانات.


لكن تحويل المدخرات الخاصة إلى مصدر لتمويل المشروعات العامة يواجه عقبات، خاصة أن هذه الأموال تستخدم بالفعل في تمويل مشروعات، من بينها الإسكان الاجتماعي.


كما أن وزارة الاقتصاد الفرنسية سبق أن رفضت العام الماضي مقترحا مشابها باستخدام مدخرات المواطنين لتمويل زيادة الإنفاق الدفاعي.

 

باريس تبحث عن حلول دون زيادة الإنفاق فقط

و يعتزم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تقديم مشروع قانون في سبتمبر لتحديث أجهزة الأمن المدني، بما يشمل إعادة النظر في طريقة إرسال فرق الطوارئ، بهدف تجنب نشر رجال الإطفاء في الحالات التي لا تستدعي تدخلا كبيرا.
ويرى مسؤول بوزارة الداخلية أن معالجة أزمة المناخ لا تتعلق فقط بزيادة حجم الأموال المخصصة، وإنما أيضا بكيفية استخدام الموارد المتاحة بكفاءة أكبر.


ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التعامل مع الحرائق، التي تتطلب أعدادا كبيرة من رجال الإطفاء والطائرات والمعدات، إلى جانب تكاليف إعادة بناء البنية التحتية والمنازل المتضررة وإعادة تشجير المناطق التي دمرتها النيران.

 

الموازنة الجديدة.. الاختبار الأصعب لحكومة ليكورنو

ومع انتهاء فصل الصيف، تدخل الحكومة الفرنسية مرحلة أكثر حساسية، إذ يبدأ العد التنازلي لإعداد موازنة العام المقبل.
ومن المتوقع أن تقدم حكومة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو مشروع الموازنة إلى البرلمان بحلول أكتوبر المقبل، على أن تنتهي عملية إقرارها قبل نهاية العام.


ويمثل ذلك تحديا سياسيا كبيرا، خصوصا أن البرلمان الفرنسي لم يتمكن من اعتماد الموازنة في موعدها خلال عامي 2024 و2025، ما يعكس صعوبة الوصول إلى توافق سياسي بشأن الإنفاق والضرائب.


وتواجه الحكومة هذه المرة معادلة أكثر تعقيدا: خفض العجز بما يتوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي، والاستمرار في زيادة الإنفاق الدفاعي، وتجنب زيادات ضريبية كبيرة، وفي الوقت نفسه توفير التمويل المطلوب لمواجهة الأضرار المناخية والاستثمار في إجراءات التكيف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة