عندما فقدت جماعة الإخوان الإرهابية السيطرة على المشهد السياسي، لم تتجه، إلى مراجعة تجربتها أو الاعتراف بإرادة الشارع، وإنما دخلت في مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات ضرب الدولة وإرباك مؤسساتها.
وظهر بـ«مخطط الأرض المحروقة»، وهو تصور يقوم على تحويل الغضب السياسي إلى عمليات تستهدف البنية الأساسية وحياة المواطنين اليومية، والخطورة في هذا المخطط، أنه لم يكن يستهدف مؤسسة سياسية بعينها فقط، وإنما امتد إلى مرافق يعتمد عليها المواطن بصورة مباشرة.
فاستهداف أبراج الكهرباء ومحطات مياه الشرب وخطوط السكك الحديدية ومحولات الطاقة يعني ببساطة وضع المواطن العادي في قلب المعركة، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، التنظيم الذي يرفع شعارات الدفاع عن المواطن يتحول، إلى استهداف الخدمات التي يحتاج إليها المواطن نفسه، فالكهرباء والمياه والسكك الحديدية ليست ملكًا لحكومة أو حزب، وإنما هي جزء من البنية الأساسية التي تخدم ملايين المصريين.
وتحولت اللجان النوعية التابعة للتنظيم الإرهابي إلى أداة لتنفيذ عمليات استهداف المنشآت الحيوية، بهدف تعطيل الحياة اليومية ودفع المواطنين إلى حالة من الغضب واليأس والفوضى، وهذه الاستراتيجية، تكشف أن الهدف لم يكن مجرد الاحتجاج السياسي، وإنما الضغط على المجتمع بأكمله.
ولم يتوقف الأمر عند المنشآت الحيوية، بل امتد إلى النسيج الوطني، وذلك من خلال استهداف الكنائس والممتلكات الخاصة، خصوصًا في عدد من محافظات صعيد مصر، وكان الهدف، إشعال فتنة طائفية وضرب الوحدة الوطنية التي ظلت واحدة من أهم ركائز الدولة المصرية.
لكن المخطط اصطدم بحقيقة راسخة في المجتمع المصري، وهى وحدة المصريين، فمحاولات إشعال الفتنة لم تنجح في تفكيك النسيج الوطني، لأن العلاقة بين المصريين لا تقوم على حسابات الجماعات والتنظيمات، وإنما على تاريخ طويل من التعايش والمواطنة والانتماء إلى وطن واحد.
كما امتد الاستهداف إلى التراث الحضاري والمؤسسات العلمية والثقافية، بما في ذلك المجمع العلمي والمتاحف والجامعات، وهذه الوقائع تعكس خطورة الفكر الذي لا يرى في مؤسسات الدولة والمجتمع قيمة يجب الحفاظ عليها، وإنما أهدافًا يمكن استهدافها عندما تتعارض مع مصالح التنظيم.
ومن هنا يصبح «مخطط الأرض المحروقة» أكثر من مجرد عنوان سياسي، فهو يعبر عن محاولة تحويل الخلاف السياسي إلى معركة شاملة تستهدف الدولة والمواطن والمجتمع ومؤسساته، وعندما تصل المواجهة إلى الكهرباء والمياه والسكك الحديدية ودور العبادة والمؤسسات العلمية، فإن الأمر يتجاوز الخلاف السياسي بكثير.
وإن الجماعة المحظورة، لم تكن تخوض معركة على برنامج سياسي أو رؤية اقتصادية، وإنما حاولت استخدام أدوات الضغط والعنف لإجبار الدولة والمجتمع على دفع ثمن رفض مشروعها، والأخطر أن استهداف البنية الأساسية لا يضر الدولة فقط، وإنما يضرب الاقتصاد والاستثمار والخدمات وفرص العمل.
وفي مواجهة هذا النوع من المخططات، يصبح الوعي الشعبي خط الدفاع الأول، فالمواطن الذي يعرف أن استهداف محطة كهرباء أو خط سكة حديد أو منشأة مياه يعني الإضرار بحياته مباشرة، لن يقبل تحويل هذه المنشآت إلى أدوات في صراع سياسي، ولقد أثبتت التجربة المصرية أن الدولة تستطيع مواجهة المخططات التي تستهدف استقرارها عندما تتوافر الإرادة المؤسسية والوعي الشعبي، كما أثبت المصريون أن محاولات إشعال الفتنة لن تستطيع كسر وحدة المجتمع.
وسجل جماعة الإخوان الإرهابية، يكشف أن التنظيم عندما فقد السلطة لم يكتفِ بالخلاف السياسي، وإنما اتجه إلى أدوات أكثر خطورة استهدفت الدولة ومرافقها ومجتمعها، ولكن تأكد الجميع أن مصر ليست أرضًا قابلة للحرق من أجل مصالح جماعة إرهابية، وأن المواطن ليس ورقة ضغط في يد تنظيم محظور، وأن مؤسسات الدولة ومقدراتها ليست أهدافًا مشروعة لأي صراع سياسي.