هل يمكن أن يتجاوز الإنسان سن الثمانين، لكنه يتمتع بلياقة بدنية وذاكرة تضاهي من هم في الخمسينيات؟.. هذا ما كشفت عنه دراسة حديثة نشرتها دورية Neurology، والتي سلطت الضوء على فئة مميزة من كبار السن يطلق عليها العلماء اسم "النشطون الفائقون" (SuperAgers)، وهم أشخاص احتفظوا بقدرات بدنية وذهنية استثنائية رغم تقدمهم في العمر.
ووفقًا للدراسة، فإن هؤلاء الأشخاص يسيرون بسرعة تعادل سرعة أشخاص يصغرونهم بنحو 30 عامًا، كما تنخفض لديهم احتمالات الإصابة بالتدهور المعرفي بنسبة تقارب 50% مقارنة بغيرهم من كبار السن، حتى لدى بعض من ظهرت لديهم تغيرات في الدماغ ترتبط بمرض ألزهايمر.
من هم "النشطون الفائقون"؟
اعتمد الباحثون على متابعة مجموعة من الأشخاص الذين تجاوزوا سن الثمانين، وقارنوا بين أدائهم البدني والعقلي وأقرانهم في العمر نفسه.
وأظهرت النتائج أن أفراد هذه الفئة لم يحتفظوا فقط بقدرة أفضل على الحركة، بل تميزوا أيضًا بسرعة التفكير، وقوة الذاكرة، والقدرة على أداء المهام اليومية باستقلالية، وهو ما جعلهم نموذجًا فريدًا لدراسة الشيخوخة الصحية.
وأشار الباحثون إلى أن سرعة المشي أصبحت من المؤشرات المهمة التي تعكس صحة الدماغ، إذ إن الحفاظ على سرعة جيدة في المشي يرتبط بكفاءة الجهاز العصبي ووظائف المخ.
المفاجأة.. علامات الزهايمر موجودة لكن الذاكرة أفضل
ومن أكثر نتائج الدراسة إثارة للاهتمام أن بعض المشاركين كانت لديهم ترسبات من بروتيني بيتا أميلويد وتاو، وهما من العلامات البيولوجية المرتبطة بمرض الزهايمر.
لكن رغم وجود هذه التغيرات، لم تظهر على هؤلاء الأشخاص الأعراض المعتادة للتدهور المعرفي أو فقدان الذاكرة، وهو ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بأن لديهم قدرة أكبر على مقاومة تأثير المرض.
ما هو "الاحتياطي المعرفي"؟
أوضحت الدراسة أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه الظاهرة هو ما يعرف بـ*"الاحتياطي المعرفي" (Cognitive Reserve)*، وهو قدرة الدماغ على تعويض التلف أو التغيرات المرضية من خلال تكوين شبكات عصبية أكثر كفاءة، مما يسمح بالحفاظ على الذاكرة والوظائف العقلية لفترة أطول.
ويعتقد العلماء أن هذا الاحتياطي يتأثر بعوامل عديدة، مثل التعليم، والنشاط البدني، والتفاعل الاجتماعي، والاستمرار في تعلم مهارات جديدة، وممارسة الأنشطة الذهنية.
لماذا يحتفظون بصحة أفضل؟
يرى الباحثون أن هناك عدة عوامل قد تفسر تمتع "النشطين الفائقين" بصحة دماغية أفضل، من بينها:
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- الحفاظ على قوة العضلات والتوازن.
- اتباع نظام غذائي صحي.
- النوم الجيد.
- السيطرة على الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.
- المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والذهنية بصورة مستمرة.
وأكد الباحثون أن هذه العوامل قد لا تمنع ظهور التغيرات المرتبطة بألزهايمر داخل الدماغ، لكنها قد تساعد في تقليل تأثيرها وتأخير ظهور الأعراض.
هل سرعة المشي مؤشر على صحة الدماغ؟
تشير الدراسة إلى أن بطء المشي لدى كبار السن قد يكون أحد المؤشرات المبكرة لتراجع الوظائف الإدراكية، لذلك أصبح الأطباء يهتمون بقياس سرعة المشي عند تقييم صحة كبار السن، إلى جانب اختبارات الذاكرة والانتباه.
رسالة مهمة لكبار السن
يؤكد الباحثون أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة الإصابة بالخرف أو فقدان الذاكرة، فالحفاظ على النشاط البدني والعقلي قد يساعد في بناء "احتياطي معرفي" يحمي الدماغ ويؤخر ظهور أعراض الأمراض العصبية.
ويرى فريق الدراسة أن فهم أسباب تميز "النشطين الفائقين" قد يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للوقاية من التدهور المعرفي وتحسين جودة الحياة لدى كبار السن حول العالم.