تعد مصر من أوائل الدول التي انضمت إلى مبادرة الحزام والطريق، حيث تلعب دورا محوريا كمحطة رئيسية وبوابة استراتيجية للتجارة الدولية عبر قناة السويس، نظرا لموقعها الجغرافي، والذي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا..
ومبادرة الحزام والطريق هي أكبر مشروع بنية تحتية اقتصادية عملاقة في تاريخ البشرية عابر للقارات أطلقته الصين عام 2013 لربط آسيا بأوروبا وافريقيا، عبر شبكة ضخمة من الطرق والموانئ، ليكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي وتبادل الاستثمارات بين أكثر من مائة وخمسون دولة، كما تعمل على خلق ممرات تجارية تعزيزا من مكانة الصين الاقتصادية والجيوسياسية على الساحة الدولية.
وتم دمج مبادرة الحزام والطريق في دستور الصين عام 2017 لاحتضان مستقبل أكثر اشراقا، وتاريخ الانتهاء المستهدف للمشروع عام 2049، والذي سيتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية..
وتأتي زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية وعلامة فارقة تؤسس لرؤية سياسية واقتصادية، يحتفل فيه البلدان بمرور 70 عام على العلاقات الدبلوماسية والتي بدأت في عام 1956، وهذه الزيارة تهدف إلى تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية التي تربط البلدين بما يحقق المصالح المشتركة وإعادة ترتيب الصين في افريقيا باعتبار مصر بوابة الصين الاستراتيجية في التجارة الدولية إلى افريقيا والشرق الأوسط، وسط أزمات دولية وتغير في بنية النظام الدولي بعد الحرب الأمريكية الإيرانية.
وتلعب مصر دورا بارزا لموقعها الجغرافي في مبادرة الحزام والطريق، حيث تشكل قناة السويس الممر الملاحي شريان أساسي لطريق الحرير البحري الذي يربط الشرق بالغرب، حيث استثمرت مصر ما يقرب من مائه مليار دولار في تطوير الموانئ والبنية الأساسية، وربطها بدول الجوار وتحقيق التكامل الاستراتيجي لنظام الخدمات اللوجستية، حيث تبرز المنطقة الاقتصادية لمنطقة قناة السويس مركز محوري للصناعات والخدمات اللوجستية، وجعلها مركزا رئيسيا تعتمد عليه الشركات الصينية بمنطقة الشرق الأوسط وافريقيا.
وقد حرصت مصر على التفاعل مع المبادرة في ظل الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس كأحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، فضلا عما تمثله المشروعات القومية الكبرى الجاري تنفيذها في المنطقة الاقتصادية لمحور قناة السويس واتساقها مع خطة مصر للتنمية المستدامة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ما يتجاوز 20 مليار دولار.
وهذه المبادرة برنامج عالمي تقوده الصين مستوحى من طريق الحرير القديم، ويهدف إلى تعزيز التجارة الدولية وتدفقات رؤوس الأموال، ويتكون مشروع الحزام من مشاريع برية تربط الصين بأوروبا عبر آسيا ومشاريع عبر طرق بحرية تربط الصين بأفريقيا والشرق الأوسط، وتعتبر أهم مبادرة عالمية للصين حيث يرتبط هذا البرنامج العملاق بالبنية التحتية ويخلق فرص تجارية واستثمارية من زيادة صادراتها ووارداتها من الدول التي تدخل ضمن المبادرة.
حيث يمر طريق الحرير الجديد بأكثر من مائة وخمسون دولة عبر ثلاث قارات وهى: آسيا وافريقيا وأوروبا، ووقعت الصين اتفاقيات مع أكثر من مائة وستة وعشرون دولة وهي تمثل ثلثي سكان العالم حيث أشار الرئيس الصيني إلى مبادرة الحزام والطريق على أنها مشروع القرن، وانضمام مصر إلى تجمع البريكس، شكل هذا الانضمام خطوة استراتيجية لتقرير مكانة مصر الاقتصادية والدبلوماسية مما يعكس توافق الرؤى بين الصين ومصر في التعددية الاقتصادية والمالية في صناعة النظام الدولي الجديد.
وتتمثل استراتيجية مصر تجاه مبادرة الحزام والطريق في مواءمة المبادرة مع رؤية مصر للتنمية المستدامة رؤية 2030، وتحويل الشراكة من مجرد تبادل تجاري إلى تحالف استراتيجي وتنموي متكامل، وذلك عن طريق ربط مشروعات الحزام والطريق بالممر التنموي لقناة السويس باعتبارها بوابة محورية تربط بين افريقيا وآسيا وأوربا، وكذلك توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا والتوسع في مجالات الطاقة المتجددة والتحول الرقمي وجذب الاستثمارات الصينية إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والانطلاق إلى الأسواق الخارجية، وتقليل العجز في الميزان التجاري عبر تشجيع الصادرات المصرية للسوق الصينية، وتقرير التعاون المالي من خلال اتفاقيات تبادل العملات.
وقام الرئيس عبدالفتاح السيسي بدور بارز ومحوري في تفعيل وربط مصر بمبادرة الحزام والطريق الصينية، عبر تقرير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين ومواءمتها مع رؤيه مصر 2030، حيث شارك بفاعلية في منتدى قمة الحزام والطريق للتعاون الدولي في العاصمة بكين، لدعم أطر التعاون الاقتصادي، كما حرص على إجراء حوارات مفتوحة مع مجتمع رجال الأعمال ورؤساء كبرى الشركات الصينية، لتشجيعهم على توسيع الاستثمار في السوق المصري.
وتم ربط استراتيجية تنمية محور قناة السويس بمبادرة الحزام والطريق، لتصبح مصر مركزا لوجستيا وتجاريا عالميا يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تم تدشين مراحل توسعية جديدة لمنطقة الصناعة المصرية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تمثل مبادرة الحزام والطريق ركيزة استراتيجية محورية في تعزيز البُعد الاقتصادي للعلاقات المصرية الصينية، ليس فقط للتعاون بين الدولتين، بل لتشكيل نموذج متكامل للتنمية المستدامة والتكامل الإقليمي، لتعزيز مكانة مصر كشريك رئيسي للصين في المنطقة.