حالة من النقاش مستمرة منذ زمن، وحتى اليوم، سواء فى الأوساط السياسية أو القانونية وتناولها الإعلام بمختلف مشاربه، لعبارة «يده لم تتلوث بالدم» وكأن هذه العبارة قد تحولت إلى شهادة براءة أخلاقية، يمكن لصاحبها أن يتحصن بها من سيل النقد والاتهامات، وكأن الدم وحده هو المقياس الوحيد للإدانة والاتهام، وكأن جرائم تلوث العقول أقل خطرا من تلوث الأيادى بالدم!
الأمر يحتاج إلى مراجعة عميقة للمفاهيم، فكثير منها مغلوطة، ومنها أن الشخص الذى لم تتلوث يده بالدماء، يمكن مسامحته؛ فالجريمة ليست دائما إطلاق الرصاص، وإنما تتخمر قبل ذلك داخل العقل، وحين تتحول الكراهية إلى عقيدة وحين يصبح العنف مبدأ وعند اعتبار الوطن عدوا، وحين تتحول الخيانة إلى بطولة، والتطرف إلى فضيلة، والإرهاب إلى نضال وكفاح ومعارضة ووسيلة مشروعة لتحقيق الغاية!
وإذا قرر المجتمع استثناء الذين لم تلوث أياديهم بالدماء وتبرئتهم، فى حين يتغافل عن دورهم الخطير فى تلويث العقول بأفكار تحض على القتل والتخريب والتدمير، فإن هذه المفاهيم تحتاج لوقفة وإعادة تقييم ومراجعات صارمة، فتلويث العقول يوازى خطورته تلويث الأيادى بالدماء، فالعقل هو الذى يصنع مبرر رفع السلاح فى وجه المجتمع والدولة، والعقل هو الذى يقنع شابا بريئا بتفجير نفسه، واعتبار أن قتل إنسان آخر، جهاد فى سبيل الله؛ ناهيك عن الخطاب المحرض والذى يهدم معنى الانتماء والوطنية فى نفوس أجيال.
هذا الطرح ليس محاولة لمساواة صاحب الرأى المعارض على أرضية وطنية، بالقاتل، ولا تجريم الاختلاف السياسى، وإنما الطرح يحاول إجلاء الصدأ عن المفاهيم المغلوطة، وإبراز خطورة الأفكار التى تتجاوز الاختلاف إلى التحريض على العنف والكراهية والإرهاب، وعن الخطاب الذى يتعمد تفكيك المجتمع وضرب الثقة فى مؤسسات الدولة وتحويل الخلاف إلى عداوة وجودية.
مفهوم عبارة «يده لم تتلوث بالدماء» قاصر على وصف الحقيقة، فربما اليد بعيدة عن مسرح الجريمة، بينما العقل حاضر بقوة، ومخطط ومدبر لهذه الجريمة من خلف الستار، ومن خلال دس الأفكار المحرضة، أى أنه هو الذى هيأ البيئة المناسبة لارتكاب الجريمة وإسالة الدماء، بالأفكار والخطاب التحريضى.
الفيلسوف البريطانى ومن أصل نمساوى، كارل بوبر، أحد أبرز الفلاسفة الذين اعتنوا بنظريات العلوم الاجتماعية والسياسية، اقترب من هذه المعضلة من زاوية عميقة، عندما دشن لمناقشة ما يعرف بـ«مفارقة التسامح»، فقد حذر من التسامح غير المحدود مع القوى التى ترفض التسامح نفسه، وتسعى إلى تدمير المجتمع المفتوح، موضحا أن التسامح غير المحدود قد يؤدى إلى اختفاء التسامح ذاته، وأن المجتمع المتسامح يحتاج إلى الدفاع عن نفسه أمام من يريدون القضاء عليه.
يكتسب طرح الفيلسوف بوبر، أهمية أنه نقل النقاش من الأشخاص إلى الأفكار، ومن لحظة العنف إلى الشروط السابقة له؛ فالمجتمع لا يحمى نفسه فقط بمنع وقوع الجريمة، وتجريم القاتل فى حالة نجاحه فى تنفيذ جريمته، وإنما يحمى نفسه أيضا بمقاومة الخطاب المحرض للكراهية والعنف الذى يمهد لتنفيذ جرائم القتل.
أما الفيلسوف البريطانى، جون ستيوارت ميل، صاحب النظريات فى العلوم السياسية والاقتصادية، فقد طرح زاوية مغايرة وبالغة الأهمية تتعلق بسلطة الأفكار، فقد حذر من توظيف الحرية كغطاء لمنظومات فكرية تجعل العنف هدفا، أو تبرره، أو تحرض عليه، أو تتسامح وتتهاون فى مواجهته، مؤكدا أن الحرية التى تسمح بتعدد الآراء لا تعنى أن المجتمع مطالب بالوقوف محايدا أمام مشروع يسعى إلى القتل والخراب والدمار.
المفهوم الواضح أن هناك فرقا قانونيا وأخلاقيا بين من خطط ونفذ، ومن حرض، ومن برر، ومن نشر فكرا إرهابيا، ومن مارس نقدا سياسيا سلميا، ولا يجوز الخلط بين هذه الدوائر، مع الجزم بأن وجود مثل هذه الفروق، لا يعنى إنكار أثر الأفكار فى صناعة السلوك.
انطلاقا من هذا السرد المبسط لخطورة انتهاك أنساب المفاهيم، فإنه وجب الانتباه المفرط لمحاولة أن يتحول الإرهابى إلى صاحب قضية، وعندما يصبح المحرض صاحب رأى، وعندما يصبح هدم الانتماء حرية تعبير، وعندما تتحول الخيانة إلى بطولة، ومن ثم فلا يمكن أن يكون معيار البراءة الأخلاقية مجرد سؤال من عينة: هل حمل هذا الشخص سلاحا أم لا! وإنما السؤال الأعمق هو ماذا فعل بعقول الآخرين، وماذا زرع فيها، وكيف أقنعها بكراهية المجتمع وتكفيره، واعتبار الوطن عدوا يجب رفع السلاح فى وجهه، وهل دعا إلى الإصلاح أم إلى الهدم، وهل ناقش الدولة أم حرض على إسقاطها بالعنف، وهل انتقد السلطة أم جرد الوطن ذاته من قيمته فى وجدان الناس!
خلاصة القول، والقول الفصل، فقد آن الأوان لإسقاط المصطلح المضلل «يده لم تتلوث بالدماء» عندما يستخدم باعتباره صك براءة شامل؛ فاليد ليست وحدها التى يمكن أن تلوث وتتلوث، فهناك عقل يمكن أن يلوث وهناك خطاب يمكن أن يلوث وهناك وعى عام يمكن تلويثه، وهناك أجيال يمكن أن تدفع ثمن أفكار فاسدة زُرعت فيها لسنوات.. فاليد النظيفة ليست دائما دليلا على عقل برىء من صناعة الجريمة!