بيشوى رمزى

"الوساطة الوظيفية".. عندما تتجاوز "الدولة الثالثة" لغة الدبلوماسية التقليدية

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 11:32 ص


إذا كانت "الدولة الثالثة" هي المساحة التي يمكن للقوى المتنافسة أن تقبل بالوجود معا داخل مجالها الاستراتيجي، باعتبارها قادرة على تأدية وظائف بعينها، تبقى كلفة خسارتها أكبر بكثير من المكاسب المترتبة على سياسة إقصاء الخصم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار لا يدور حول كيفية التعايش، وإنما حول كيفية إدارة الخلاف إذا ما تضاربت المصالح في إطار وظيفة بعينها، وهو الأمر الذي لا يمكن تجاهله من قبل الأطراف الثلاثة في معادلة ما أسميته في مقال سابق بـ"التعايش التنافسي".

ولعل الحديث عن تضارب المصالح داخل وظيفة محددة يلقي بالجزء الأكبر من المسؤولية على عاتق " الدولة الثالثة "، باعتبارها صاحبة المصلحة في استمرار استفادة الأطراف المتنافسة مما تقدمه من وظائف، ليس فقط على خلفية العوائد الاقتصادية المترتبة عليها، على غرار ما ساد في العقود الماضية، وإنما في إطار أعمق يتجلى في تعزيز الطلب على استقرارها، بحيث لا يعيدها هذا التضارب إلى نقطة الاستقطاب، وبالتالي تحتفظ باستقرارها باعتباره ليس فقط مصلحة خاصة بها، وإنما مصلحة لدى أطراف الصراع أنفسهم، في حين يصبح استمرار الدور الناجم عن الوظيفة مصلحة للخصوم بدوره، خاصة إذا لم يتوافر بديل قادر على تقديم الوظيفة نفسها بالكفاءة والكلفة ذاتهما، وهو ما يدفع الأطراف الثلاثة نحو قدر من المواءمة.

المواءمة بين الأطراف المتصارعة داخل المجال الاستراتيجي لـ"الدولة الثالثة"، تبقى مسؤوليتها، باعتبارها المورد الرئيسي للوظيفة، عبر تحقيق قدر من الانفصال بين مساحات الاستفادة منها أو وضع قواعد معينة للتحكم في الوصول إليها أو تعديل آلية التشغيل، وبالتالي يصبح دور "الدولة الثالثة" ليس حل الخلاف الناشب داخل مجالها الاستراتيجي، وإنما إدارته فيما يتعلق بوظيفة محددة تقدمها للأطراف المتصارعة، وبالتالي منع الخلاف من تعطيلها أو تقويض كفاءتها، وهو ما يتطلب العديد من المؤهلات اللوجستية والتنظيمية والاقتصادية التي تتيح لها القيام بهذه المواءمة، وهو ما يعني ضرورة امتلاكها بنية أساسية وتكنولوجية قوية.

وبالتزامن مع كفاءة "الدولة الثالثة" في إدارة الخلاف، تبقى استجابة الأطراف أنفسهم لعملية المواءمة هي المسؤولية الملقاة على عاتقهم، ليس لحل الخلاف وإنما للاحتفاظ بالاستفادة من الوظيفة نفسها، وهو ما يتطلب إدراكا متبادلا بأن كلفة خسارة هذه الوظيفة تفوق كلفة القبول بالمواءمة نفسها.

وهنا يتجلى مفهوم جديد، أو بالأحرى صورة محدثة، لدبلوماسية الوساطة، ربما يمكننا تسميتها بـ"الوساطة الوظيفية"، وهي تختلف في منطلقاتها وآلياتها عن الوساطة التقليدية، والتي تقوم على الدخول المباشر على خط الصراع، عبر التفاوض ونقل الرسائل، من أجل الوصول إلى صيغة مشتركة في القضايا الخلافية، أما "الوساطة الوظيفية" فلا تبدأ من الخلاف نفسه، ولا تستهدف بالضرورة تسويته، وإنما تنطلق من وظيفة تقدمها "الدولة الثالثة" لأطراف متصارعة، عندما يؤدي تضارب مصالحهم داخلها إلى تهديد استمرارها أو كفاءتها، فتتحول إدارة الوظيفة إلى أداة للمواءمة بين المصالح المتعارضة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تقارب سياسي بين الأطراف أو تسوية خلافاتهم خارج نطاقها.

فإذا كانت الدولة في نموذج الوساطة التقليدية تتحرك نحو المساحة التي يدور فيها الصراع سعيا إلى تقليص فجوة الخلاف بين أطرافه، فإن الصورة تبدو معكوسة في "الوساطة الوظيفية"، حيث تنتقل إحدى صور الصراع إلى المجال الاستراتيجي للدولة، نتيجة تضارب مصالح الأطراف داخل وظيفة تقدمها لهم، لتصبح مهمتها إدارة هذا التضارب بما يحافظ على استمرار الوظيفة، وليس الانتقال إلى أصل الصراع سعيا إلى تسويته.

وإذا كان الحياد شرطا رئيسيا في الطرف الذي يقوم بالوساطة التقليدية، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدا فيما يتعلق بـ"الوساطة الوظيفية"، حيث يحمل هذا الدور مسارين متوازيين، أولهما الجانب الوظيفي، وهو الجانب المنوط به الدور أساسا، باعتباره لا يتجاوز الوظيفة محل الخلاف، وبالتالي يبقى الحياد ضرورة لـ"الدولة الثالثة" في هذا الإطار، حتى تحتفظ بقدرتها على العائد الناجم عن الاستفادة المتعددة من الوظيفة التي تقدمها، سواء كان عائدا اقتصاديا أو سياسيا، أو حتى فيما يرتبط بالطلب على استقرارها، وأما المسار الثاني فيرتبط بالجانب السياسي الخاص بقضايا الخلاف نفسها، وهنا على خلاف الوساطة التقليدية، ربما لا يكون الحياد شرطا، وإنما تبقى الحاجة ملحة إلى قدر من المقبولية السياسية، لأن الانحياز الحاد لأحد أطراف الصراع يقوض ثقة الطرف الآخر في أي مواءمة قد تقترحها الدولة لإدارة الخلاف المرتبط بالوظيفة نفسها.

إلا أن ثمة خلافا جوهريا آخر بين الوساطة التقليدية، وتلك ذات الطابع الوظيفي، فالأولى قد تستند إلى أهمية الدولة ومكانتها لدى الخصوم وقدرتها على التواصل معهم، أو غير ذلك من العوامل، بينما تعتمد الثانية على كفاءة الدولة وفاعليتها، وبالتالي يبقى نجاح "الدولة الثالثة" في أداء الوساطة الوظيفية مرهونا بقدرتها على الاحتفاظ بكفاءتها، بحيث لا يمكن للأطراف المستفيدة منها أن يجدوا بديلا بنفس القدرة على القيام بالدور نفسه، وهو ما يضع على كاهلها مسؤولية الاستمرارية في تعزيز بنيتها الأساسية والتكنولوجية واللوجستية، من أجل تحقيق الاستدامة الوظيفية نفسها.

وفي هذا الإطار، ربما لا تتوقف أهمية "الوساطة الوظيفية" عند حدود إدارة الخلاف المرتبط بوظيفة بعينها، وإنما قد تمتد إلى تعزيز قدرة "الدولة الثالثة" على القيام بأدوار الوساطة التقليدية، باعتبار أن نجاحها في تحقيق المواءمة بين المصالح المتعارضة داخل مجالها الاستراتيجي من شأنه أن يمنحها قدرا أكبر من المقبولية لدى أطراف الصراع، إلى جانب ما تراكمه من معرفة بمصالحهم وحساباتهم، وما تتيحه عملية المواءمة من قنوات للتواصل معهم، بل إن هذا الدور ربما يضيف زخما إلى قدرتها على الوساطة التقليدية، باعتباره يتجاوز المعايير التقليدية المرتبطة بالمقبولية والثقة إلى لغة المصالح، بحيث لا تصبح "الدولة الثالثة" مجرد وسيط يحظى بقبول الأطراف، وإنما طرفا ترتبط به مصالح قائمة تدفعهم إلى الحفاظ على مساحة للتعامل معه، وهو ما قد يجعلها أكثر قدرة على الانتقال من إدارة الخلاف داخل مجالها الاستراتيجي إلى المساهمة في تقريب وجهات النظر حول قضايا خلافية أوسع، دون أن يعني ذلك أن نجاح الوساطة الوظيفية يقود بالضرورة إلى نجاح مماثل في الوساطة التقليدية، وإنما يمنح "الدولة الثالثة" رصيدا إضافيا يمكن البناء عليه إذا ما توافرت لدى الأطراف الإرادة السياسية اللازمة للتسوية.

وهنا يمكننا القول بأن قدرة "الدولة الثالثة" على القيام بدور الوسيط لم تعد مرهونة فقط بموقعها من أطراف الصراع أو بمدى ما تحظى به من ثقة ومقبولية لديهم، وإنما بما تستطيع أن تقدمه من وظائف تجعل استمرار العلاقة معها مصلحة مشتركة، وهو ما يضيف إلى الوساطة بعدا جديدا لا يبدأ من محاولة البحث عن نقاط الالتقاء بين الخصوم، وإنما من بناء مساحة وظيفية تلتقي داخلها مصالحهم رغم استمرار الخلاف بينهم، لتكون إدارة هذه المساحة مدخلا لإدارة جانب من الصراع نفسه، وتتحول الوظيفة من مجرد أداة لتحقيق المنفعة إلى رافعة دبلوماسية تعزز موقع الدولة وقدرتها على التأثير.

 

إقرأ أيضا

"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف

مصر و"بريكس".. من العضوية إلى "التكامل الوظيفي"

التنظيمات الإقليمية والتعددية الوظيفية.. وما وراء حل الأزمات

"الدولة الثالثة".. من استيراد الاستقرار إلى إنتاج الطلب عليه




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة