لأكثر من عقد من الزمان، ظل عبد الرحمن أبو دية، أو «أبو عامر»، حريصًا على الاختفاء عن الأنظار، فلا تكاد تجد له سوى صورة يتيمة على محركات البحث، ولن تجد له لقاءً إعلاميًا واحدًا، رغم أنه يمول ويدير منظومة إعلامية ضخمة.
حتى التسريب الوحيد الذي ظهر فيه صوته قبل سنوات، خلال محادثة مع ياسر العمدة، أحد مطاريد الإخوان في الخارج، اختفى في ظروف غامضة من على شبكة الإنترنت، بما يؤكد حرصه الشديد على أن يظل محتميًا ومختبئًا خلف سياج من السرية.
سيرة بدأت من الخفاء
المتتبع لسيرة عبد الرحمن أبو دية منذ البداية، سيكتشف أنه رجل عاش طوال حياته في الخفاء، منغمسًا في أنشطة مشبوهة، ومرتبطًا بغسيل الأموال والارتماء في أحضان أجهزة المخابرات الأجنبية.
حتى حياته الشخصية نفسها كانت جزءًا من هذه العمالة؛ فرغم أنه فلسطيني، تذكر مصادر إعلامية أنه متزوج من إسرائيلية منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وهي التي تولت عملية تجنيده وتقديمه إلى الأجهزة الأمنية الغربية.
الظهور الأول بعد أحداث 11 سبتمبر
المرة الأولى التي ظهر فيها اسم عبد الرحمن أبو دية كانت عام 2001، عقب أحداث 11 سبتمبر، في تقرير أمني بجنوب أفريقيا، اتهمه بالتلاعب في أموال منظمات الإغاثة الدولية وإعادة توجيهها لتمويل أنشطة الإخوان والتنظيم الدولي.
وفي العام نفسه، وُضع اسمه على قوائم الإرهاب الأمريكية، لكن بشكل مفاجئ تمت إزالة اسمه منها دون إبداء أسباب واضحة.
وهو الأمر الذي فُسِّر بأن عملية وضع اسمه على القائمة من البداية كانت جزءًا من عملية صناعته وإكسابه قدرًا من المصداقية، وحين تحقق الغرض منها، رُفع اسمه حتى يتمكن من استكمال الدور الذي يلعبه.
رجل المال ومحطة تمرير العمليات المشبوهة
الشاهد في الأمر أن عبد الرحمن أبو دية ظل مرتبطًا بشكل وثيق بالأنشطة المالية المشبوهة؛ بل إن الصورة التي تتشكل من مسيرته تضعه في موقع رجل غسيل الأموال ومحطة لتمرير العمليات المالية القذرة للتنظيمات الإرهابية.
ولم يتوقف دوره عند هذا الحد، بل تحول أيضًا إلى نقطة التقاء بين التنظيمات الإرهابية وأجهزة المخابرات الغربية، وهو الدور الذي برز بصورة أكبر في المرحلة الأخيرة من حياته، عقب سقوط نظام الإخوان.
تمويل شبكة إعلامية ضخمة
خلال الـ13 عامًا الأخيرة، كان عبد الرحمن أبو دية مسؤولًا عن عملية تمويل شبكة ضخمة من القنوات والمواقع الإخوانية، شملت مؤسسة إعلامية تحمل اسم «نون»، وقناتي «الحوار» و«مكملين»، وموقع «ميدل إيست آي» الناطق بالإنجليزية، ومنصة «مزيد»، التي تعمل على تعزيز انتشار المحتوى الإخواني عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وهكذا لم يعد دوره مجرد رجل يعمل في الظل، وإنما أصبح جزءًا أساسيًا من منظومة إعلامية ضخمة تستهدف صناعة المحتوى وترويجه وتوسيع نطاق انتشاره.
عندما اختلف اللصوص.. ظهر كبيرهم
واللافت أن اسم عبد الرحمن أبو دية لم يظهر إلى العلن إلا بعد أن دبت الخلافات بين الهاربين من العاملين في قنوات الإخوان.
فعندما اختلف اللصوص، انكشف كبيرهم، وبدأوا ينطقون باسمه، وهم يمارسون هوايتهم المعتادة في فضح بعضهم البعض.
وهكذا، وبعد سنوات طويلة من الاختباء خلف الستار، بدأ اسم عبد الرحمن أبو دية يخرج إلى العلن، لا بفعل ظهور إعلامي اختاره بنفسه، وإنما بعدما كشفت الخلافات داخل المنظومة بعضًا من الأسماء التي ظلت لسنوات تعمل في الظلام.