بيشوى رمزى

"الدولة الثالثة".. من استيراد الاستقرار إلى إنتاج الطلب عليه

الأحد، 20 سبتمبر 2026 11:28 ص


المعضلة التي واجهت الدول التي قررت النأي بنفسها عن الصراعات الدولية لعقود طويلة من الزمن، تجسدت في تحولها إلى مركز للاستقطاب بين الأطراف المتصارعة، التي سعى كل منها إلى استمالتها والاستئثار بعلاقاتها وإقصاء خصومه من محيطها الاستراتيجي، وهو الأمر الذي ربما يزداد تعقيدا بصورة كبيرة في اللحظة الراهنة، في ضوء تعقيدات الصراع، وبالتبعية استحالة تجنب التداعيات المترتبة عليه، والتي باتت تطال بالضرورة أطرافا غير منخرطة بالأساس، وهو ما يطرح بعدا جديدا في إدارة العلاقات الدولية، ينتقل بنا من مناقشة الكيفية التي يمكن بها لـ"الدولة الثالثة" النأي بنفسها عن الصراع، نحو سؤال آخر يدور حول كيفية تحويل استقرارها إلى هدف تسعى إليه الأطراف المتصارعة.

ولعل تخلي الأطراف المتصارعة عن فكرة الاستئثار بالمحيط الاستراتيجي لدولة تحمل أهمية سياسية أو جغرافية أو اقتصادية، بحيث تقبل بـ"التعايش التنافسي" مع الخصم داخله، يتطلب قدرة استثنائية لدى " الدولة الثالثة "، تستطيع من خلالها تقديم أدوار لا يمكن التخلي عنها، بحيث تصبح كلفة خسارتها أو حتى تقليص العلاقة معها أكبر من كلفة القبول بوجود الخصم، وهو ما أوضحناه في مقال سابق، وهو ما يعكس أهمية أن تكون تلك الدولة لديها من "التعددية الوظيفية" ما يسمح لها بتحقيق مصالح أطراف على طرفي النقيض، في الوقت الذي يصبح فيه اهتزاز استقرارها، أو بالأحرى انخراطها في الصراع، عاملا مؤثرا على قدرتها على الاستمرار في أداء تلك الوظائف بالكفاءة نفسها.

الطرح سالف الذكر يقدم وجها معاكسا للمعادلة التقليدية، فخلال عقود طويلة من الزمن، كان الاستقرار أو النأي عن الصراع هدفا للدول غير المنخرطة فيه، والتي كانت تسعى إلى تحقيق التهدئة عبر أدوار سياسية ودبلوماسية لتحقيق هذا الهدف، بينما تقدم المعطيات الجديدة صورة مختلفة، حيث أصبحت التعددية الوظيفية وكفاءة "الدولة الثالثة" دافعا لأطراف الصراع للنأي بها عنه، وهو ما يخلق تماهيا مصلحيا بين القوى المتصارعة، قد يتحقق بصورة مستقلة دون تنسيق مباشر بينها، بينما قد يتطور في حالات أخرى إلى قدر من التنسيق، وربما التعاون المصلحي داخل المجال الاستراتيجي للدولة، عندما يصبح ذلك ضروريا للحفاظ على استقرارها وكفاءتها في أداء الوظائف التي تحقق مصالح الأطراف المختلفة.

وهنا تبدو الحاجة مهمة إلى التمييز بين أهمية الدولة وفاعليتها، فالأهمية ارتبطت تاريخيا بالموقع الجغرافي والاقتصاد والدبلوماسية وغيرها من الإمكانات التي تمتلكها الدولة، في حين ترتبط الفاعلية بقدرتها على تسخير تلك الإمكانات وتحويلها إلى وظائف يمكن لقوى على طرفي النقيض الاستفادة منها.

التمييز سالف الذكر لا ينعكس على سلوك "الدولة الثالثة" فقط في إدارة علاقاتها مع محيطها الدولي، في ضوء قدرتها على الانفتاح على كل الأطراف، وإنما يمتد إلى الكيفية التي تدير بها القوى الأخرى علاقتها معها، فالدول المهمة كانت دائما محلا للاستقطاب بين القوى المتصارعة، التي سعى كل منها إلى إخراجها من حالة الحياد واستمالتها نحو الانخراط في الصراع إلى جانبها، إلا أن الفاعلية تقدم صورة مغايرة، يصبح معها الحفاظ على استقرار الدولة واستمرار قدرتها على أداء وظائفها هدفا في حد ذاته، بالنظر إلى ما يمثله توقفها عن إنتاج تلك الوظائف من كلفة مرتفعة على أطراف الصراع أنفسهم.

وبالتالي لم يعد النأي عن الصراع مرهونا بقرار تتخذه "الدولة الثالثة"، وتسعى إلى إقناع الأطراف المتصارعة باحترامه، وإنما يمكن أن يتحول إلى مصلحة تسعى تلك الأطراف نفسها إلى الحفاظ عليها، كل لأسبابه وحساباته الخاصة، فكلما ارتبطت مصالح القوى المتنافسة بوظائف تؤديها الدولة، وأصبح استمرار تلك الوظائف مرهونا بقدرتها على البقاء خارج دائرة الصراع، ارتفعت كلفة نقل الصراع إلى محيطها الاستراتيجي، لتصبح معادلة النأي قائمة ليس فقط على رغبة الدولة في تجنب الصراع، وإنما كذلك على رغبة الأطراف المتصارعة في عدم خسارة ما تحققه لها من وظائف.

ومن هذا المنطلق تمتد التحولات إلى مفهوم الاستقرار نفسه، والذي ارتبط في العديد من الحالات بقدرة الدولة على الحصول على ضمانات خارجية، سواء عبر التحالفات أو المظلات الأمنية أو التفاهمات مع القوى الكبرى، بينما تقدم التعددية الوظيفية مسارا مغايرا، لا يقوم على استيراد الاستقرار من الخارج أو إسناد مهمة حمايته إلى طرف بعينه، وإنما على إنتاج طلب خارجي عليه، عبر توزيع المصالح المرتبطة باستمرار وظائف الدولة بين أطراف متنافسة، بحيث يصبح الحفاظ على استقرارها نابعا من إدراك كل طرف أن اضطرابها لا يمثل تهديدا للدولة وحدها، وإنما يحمل في الوقت نفسه كلفة مباشرة على مصالحه داخلها.

ولا تعني "التعددية الوظيفية" بالضرورة أن تقدم "الدولة الثالثة" الوظائف نفسها للأطراف المتنافسة، وإنما قد تستمد فاعليتها من قدرتها على تقديم وظائف مختلفة تحقق لكل طرف مصلحة مستقلة عن الآخر، وهو ما يسمح بفصل مساحات المصلحة داخل محيطها الاستراتيجي، بحيث تتجنب الدولة تضارب المصالح بين القوى المتصارعة، وبالتالي لا يصبح استفادة أحد الأطراف من وظيفة معينة مرهونا بإقصاء خصمه، بينما يظل استمرار تلك المصالح، على اختلافها، مرتبطا بقدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها وكفاءتها في أداء وظائفها.

ولا يعني ذلك أن التعددية الوظيفية تمثل ضمانة مطلقة لاستقرار "الدولة الثالثة"، أو أنها قادرة على تحييدها بصورة كاملة عن تداعيات الصراعات المحيطة بها، بقدر ما تعيد صياغة حسابات الكلفة لدى الأطراف المتصارعة، عبر رفع كلفة انتقال الصراع إلى محيطها الاستراتيجي مقارنة بالمكاسب المحتملة من استقطابها أو الاستئثار بعلاقاتها، بحيث يصبح الحفاظ على استقرار الدولة واستمرار وظائفها عنصرا قائما بذاته في حسابات القوى المتنافسة.

وهنا يمكن القول إن قدرة "الدولة الثالثة" على النأي بنفسها عن الصراع لم تعد تتوقف على ما تتبناه من مواقف سياسية، أو ما تمتلكه من أدوات تسمح لها بمقاومة الضغوط والاستقطاب، وإنما تمتد إلى قدرتها على بناء شبكة من الوظائف المتنوعة التي تجعل استقرارها واستمرار فاعليتها جزءا من حسابات القوى المتنافسة، بما يرفع كلفة انتقال الصراع إلى محيطها الاستراتيجي، ويحول بقاءها خارجه من هدف تسعى إليه بمفردها إلى مصلحة لدى أطرافه، وبالتالي فإن قوة "الدولة الثالثة" لا تقاس فقط بقدرتها على البقاء خارج الصراع، وإنما بقدرتها على جعل بقائها خارجه مصلحة لمن يخوضونه.

 

 

إقرأ أيضا

"التعايش التنافسي".. "الدولة الثالثة" من تعدد الشركاء إلى تعدد الوظائف

مصر و"بريكس".. من العضوية إلى "التكامل الوظيفي"

التنظيمات الإقليمية والتعددية الوظيفية.. وما وراء حل الأزمات

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة