حازم الشريف يكتب: لطم الجنائز... حين تتحول الأزمات إلى منصة لنشر اليأس

الجمعة، 07 أغسطس 2026 03:39 م
حازم الشريف يكتب: لطم الجنائز... حين تتحول الأزمات إلى منصة لنشر اليأس حازم الشريف

في كل مرة تقع فيها أزمة أو حادث عارض يخرج علينا فريق لا ينتظر معلومة موثقة ولا يترقب نتائج تحقيقات ولا يمنح رجال الإنقاذ فرصة لأداء واجبهم بل يسبق الجميع إلى إصدار الحكم النهائي. بالنسبة له كل حادث هو إعلان انهيار وكل أزمة دليل قاطع على الفشل وكل شرارة بداية لكارثة لا نهاية لها وكأن هدفه ليس فهم ما حدث وإنما توظيف الحدث لإقناع الناس بأن الوطن يسير إلى الهاوية.

هذه الظاهرة التي يمكن وصفها بـ"لطم الجنائز" أصبحت سلوكًا متكررًا عند البعض فما إن يقع حادث حتى تُنصب سرادقات العزاء افتراضيًا وتتعالى أصوات العويل وتبدأ ماكينة التأويلات والشائعات في العمل بلا توقف، تختفي الحقائق وتحضر التخمينات وتتحول مواقع التواصل إلى ساحات لإنتاج الرعب أكثر منها منصات لنقل المعلومات.

وقد رأينا ذلك بوضوح في حادث حريق السفينتين المحملتين بالغاز في دمياط. فقبل أن تتضح الصورة كاملة وقبل صدور البيانات الرسمية انتشرت روايات متضاربة وارتفعت نبرة التهويل وصُوِّر الأمر وكأنه بداية لانهيار شامل وكأن النجاة مستحيلة رغم أن إدارة الأزمات تعتمد أولًا على المعلومات الدقيقة لا على الانفعالات.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بوصف الحدث بل تعيد صياغته ليخدم رواية مسبقة فإذا كان الحادث محدودًا جرى تضخيمه وإذا كانت الجهود تبذل لاحتوائه جرى تجاهلها وإذا ظهرت مؤشرات إيجابية جرى التقليل منها. فالنتيجة المطلوبة لدى أصحاب هذا النهج معروفة سلفًأ وهى ترسيخ صورة دائمة بأن الدولة عاجزة وأن كل أزمة هي دليل جديد على الانهيار.

ولا شك أن من حق أي مواطن أن ينتقد وأن يطالب بالمحاسبة والشفافية فهذا جزء من أى نقاش عام مسؤول لكن هناك فرقًا واضحًا بين النقد القائم على الحقائق وبين استغلال كل حادثة لصناعة حالة من الذعر والإحباط وكأن الوطن لا يعرف إلا الفشل.
فالنقد يبني أما التهويل فيقوض الثقة ويمنح الشائعات فرصة للتوسع.

الغريب أن من يساهم في نشر هذا المناخ يتجاهل حقيقة بسيطة؛ وهي أننا جميعًا شركاء في هذا الوطن استقرار الدولة ليس مكسبًا لفئة بعينها بل هو استقرار لكل بيت ولكل أسرة ولكل موظف وعامل ومستثمر، وعندما تُضخم الأزمات عمدًا وتتراجع الثقة فإن أول من يدفع الثمن هو المواطن نفسه في معيشته واقتصاده ومستقبله.

إن الأوطان لا تُقاس بعدد الحوادث التي تقع فيها فالحوادث تقع في كل دول العالم مهما بلغت إمكاناتها وإنما تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات واستخلاص الدروس وتحسين الأداء. أما تحويل كل حادث إلى إعلان وفاة للوطن فليس قراءة للواقع بل صناعة متعمدة لمشهد من اليأس.

الكلمة أمانة والمعلومة مسؤولية والوطن أكبر من أن يُختزل في حادث عابر أو أزمة طارئة لذلك فإن واجب الإعلام والمسؤولين والمواطنين على حدٍ سواء هو تحري الحقيقة وعدم الانسياق خلف الشائعات وإدراك أن بث الثقة المبنية على الوقائع لا يتعارض مع النقد بل هو أحد أهم مقومات المجتمع الواعي.

فلا تكونوا ممن ينصبون سرادق العزاء قبل انتهاء الحريق ولا ممن يكتبون شهادة الوفاة قبل اكتمال الحقيقة فالأوطان تُحمى بالعقل وتنهض بالعمل ولا تُدار بالعويل ولا بلطم الجنائز ..استقيموا يرحمكم الله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة