حازم حسين

كى لا ننام على وسائد الأشرار

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 02:00 م


جولة سابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، انطلقت أمس وتتواصل غدًا. ولا جديد، فالدولة تُناضل لمُغادرة شرنقة الدويلة، وحزب الله ماضٍ فى تبعيته لإيران، والصهاينة يتقافزون بفرحٍ على الحبل المشدود بينهما!


مضت ستة أسابيع على اتفاق الإطار، ولم يتحرّك فعليًّا للأمام. كان حصيلة خمس جولات، وتلته واحدة، وتتأرجح فيه واشنطن بين الوساطة، والرعاية الضامنة، والمَيل النفسى والعملى للدولة العبرية.


والمُؤكّد أنه ليس مثاليًّا فى الشكل والمضمون، ولا فى الثغرات المُضمّنة عمدًا، لإبقاء الميدان ساخنًا، وإرخاء حبل نتنياهو أن يستعرض قواه على الجبهة الشمالية، ويُعوّض فيها ما قد يُجبَر عليه جنوبًا، أو عند الهضبة الفارسية.


المناطق التجريبية الأولى لم تكن مُحتلّة فعلاً، وتتابع الخُطى وحده سيؤكد جدّية تل أبيب أو ينفيها، غير أنها تُعوّل قطعًا على موقف الضاحية، وما تتصلّب فيه بإرادتها، أو يُملَى عليها من أعلى.


والأزمة ليست فى المُكابرة والرفض فحسب، إنما فى تشويه الطريق والسائرين عليها، والتهجّم الوقح على الرئاستين الأولى والثالثة، مُقابل رمادية يُحافظ عليها الرئيس برّى، فلا يقطع بها الرَّحم المؤسسية والطائفية، ولا يصل شرايين البلد وأهله المنكوبين!


حملت الأسابيع الماضية إشارات سخيفة، بغض النظر عن إزعاجها، وعمّا وراءها من تهديد. وآخر العطايا، استباق الأمين العام نعيم قاسم لطاولة روما، بالتصويب على رئيس الجمهورية، والتعريض به من جهة أنه خصم لا حكم، ويُفرّق ولا يُجمّع!


الصفقة سيئة، ومائلة بوضوح، غير أنها المُتاح وفق موازين القوى. وما ذهب إليها لبنان الرسمى، إلا ليستدرك ما جناه عليه لبنان الميليشوى!


صعد الحزب على دمٍ، ويريد أن يبقى سابحًا فيه للمُنتهى. ويصعب إحصاء ضحاياه على الصفتين: الذين أسكن الرصاص فى صدورهم، ومَن ناب عن القاتل وقدّمهم له قرابين مجانيّة.


وأشد ما يُكابده الحزبيّون، أنهم عاشوا زمنًا ذهبيًّا لا سبيل لتكراره أو استنساخه. يحملون عبء الماضى، ويُعطّلهم مخيال الهيمنة القديم عن استيعاب الحاضر الثقيل.


نار الحرب الأهلية صوّرته بردًا وسلامًا على طائفته، والالتحاق بالنظام السورى فى زمن الهيمنة أغراه بالقوّة والبطش بلا مسؤولية، ثم ابتلع المجال العام بعد إزاحة دمشق، وتلزيم البلد للجمهورية الإسلامية رأسًا.


وسواء حرّر الجنوب فى سنة الألفيّة بنضاله، أو كان انسحابا من طرفٍ واحدٍ لحسابات تخص العدو، فالقاطع أنه بدّد ما أُنجِز بصُوَرٍ شتّى:


قتل رئيس وزراء يحمل مشروعا وطنيًّا للاستقلال والتنمية، وحمل البنادق من التراب المُحتل إلى كل شبرٍ وبيت، وامتدّت لائحة قتلاه طويلاً طويلاً.


ثم غطّى على جرائمه باصطناع حربٍ جنوبيّة، خسر فيها لبنان ما لا طاقة له به، واختصر حسن نصر الله ندمَه بالقول: «لو كنت أعلم ما فعلت»، قاصدًا إقدامه على خطف الجُندِّيّيَن، وقدح شَرَر المواجهة!


بعدها اقتحم بيروت مُجدّدًا، وفرض الثُلث المُعطّل، وعاث فى الجغرافيا والديموغرافيا والطائف فسادًا، وكانت أحط الفترات مع استكمال تفعيل ورقة «مار مخايل»، وإمساكه بزمام الأمور من وراء ماريونيت ميشال عون وصهره جبران.


وكان طبيعيًّا أن تمتد الكارثة إلى محطّة الإسناد الأول، ثم الثانية ثأرًا للمُرشد الإيرانى الذى لم يثأر له تابعوه أنفسهم، وتتويجه برَهْن الوطن للرُّعاة، ومُناطحة الدولة بانتحارية العصابة.


قال مسؤولون من حماس إنهم ناشدوا «نصر الله» فى السابع من أكتوبر، أن يُغيثهم بدخول المواجهة، ولم يفعل إلا فى اليوم التالى، بعدما أتته أوامر طهران.
انقلبت الدنيا، وتعرّضت الميليشيا لهزيمة واسعة المدى، اضطرّتها للقبول باتفاق وقف الأعمال العدائية فى نوفمبر 2024.


والتزم الصمت رغم خروقات إسرائيل، إلى أن أُمِرَ مُجدّدًا، فانطلقت ستّة صواريخ تُشيّع خامنئى، على حساب مليون شيعى هُجّروا، وآلاف القتلى، ونزيف المال والثروات وفرص العيش!


يُصادِقُ الحزب ويُعادى بحسب الموجة الفارسية، ولا ينحرف قيد أُنملة عمّا يُمليه عليه المُكلّفون بإدارته.


وهكذا يُدَار محور المُمانعة، ولا قيمة للقضايا والشعارات، إلّا فى ضوء ما يخدم استراتيجية امبراطورية تخلط العرق بالدين بالإحن المذهبية ورواسب الماضى!


استنكر ترامب مؤخّرًا أن خصومه فى طهران يخوضون المفاوضات، وينكرونها أو يُصرّحون بعَكسها. وتلك طبيعة فيهم، والأمريكيون لا يختلفون للأسف.


سبق أن خاض معهم جولات حوار بشأن النووى، انتهت واحدة بتحديد موعد تاليتها، بينما يمنح سيد البيت الأبيض إشارته الخضراء لنتنياهو بإطلاق حرب الاثنى عشر يومًا فى يونيو 2025.


السياسة تقبل المكر، أمَّا الخداع والتلبيس فمن عمل الحرب، ولو اتّخذ شكلاً ناعمًا. وهُنا أُميّز بينهما، عمّا قال كلاوزفيتز من أن الأخيرة امتداد خَشِن للأولى.


ولا شكّ فى أن الأمريكيين يُجهّزون ما استطاعوا لمعركةٍ تالية، بالتزامن مع الحوار. وكذلك ملالى الثورة وجنرالاتها، مع فارق أن التقيّة مُكوّن عقائدى، ولعبة توزيع الأدوار غرامٌ يمضغ أفئدتهم، فضلاً على انقسام عصبة النظام بالفعل.


وعودة للذاكرة، فى حالتنا مثلاً، فقد خاصمونا ابتداء بدعوى استقبال الشاه، وهاجمونا عن كامب ديفيد. بينما تلقّوا أسلحة أمريكية من إسرائيل فى حرب العراق، ورعوا جماعات الإرهاب السنيّة وعمليّاتها الداخلية طوال الثمانينيات والتسعينيات.


وقد سعوا لترميم العلاقات مع المُحيط لاحقًا، وما توقّفوا عن بعض سلوكهم الظاهر والمُستتر. أبرموا اتفاقا مع السعودية فى بكين قبل ثلاث سنوات، ثم قصفوها مع الباقين، وما استثنوا قطر وعُمان رغم العلاقات والمصالح، وما لا نعلمه ويفوق ما على السطح!


عندما اقتحمت حماس الحدود فى 2008، لم يكن الأمر بعيدًا عن قلب المُمانعة وتشابكات خيوطها. وخلية حزب الله فى العام التالى، وتهريب المُجرم سامى شهاب فى فوضى يناير 2011، واستقبال نصر الله له فى الضاحية باحتفال يُعبّر عن حجم العداوة والوضاعة معًا.


الولايات المُتّحدة لديها سوابق شبيهة، أضخم حجمًا، وفيها كل ما يُشين: فوضى وقلاقل وإرهاب، تقويض دول ودعم عصابات، وتناقضات وصفقات مشبوهة، وتدليس وفخاخ واحتيالات مُتعمّدة.


لا ملائكة فى السياسة، ولا بين ذوى النوايا السوداء، سواء كانوا دولاً أم ميليشيات. إنها مُواجهة بين أشرار، غير أن الخير لا ينتصر بالضرورة، وعلى أهله أن يكونوا يقظين.


والمهم، أن يتحسّبوا للعدوّ مرّة، وللصديق أو مَن يدّعى مرّات، ولا تأخذهم تجارة العواطف وابتزازها، ثم معرفة أن الحرب ما إن تضع أوزارها، فما بعدها قد لا يكون أفضل، والشرقُ عوّدنا أنَّ نيرانه ما تنطفئ، إلّا لتندلع فى هدفٍ تالٍ، بيَدٍ أُخرى، أو بكيفية مُغايرة!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة