بين الحظر الكامل والقيود الجزئية، تنقسم أوروبا بشأن النقاب والبرقع والملابس التي تغطي الوجه، في وقت تتسع فيه دعوات تشديد القواعد بدعوى حماية الأمن وتعزيز الاندماج الاجتماعي. فمنذ أن سبقت فرنسا الجميع بحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة، تبنت دول أوروبية أخرى نماذج متفاوتة، بينما اختارت دول مثل إسبانيا والسويد نهجًا أكثر مرونة، تاركة الباب مفتوحًا أمام جدل قانوني وسياسي متواصل حول حدود الحرية الدينية في المجال العام.
وتختلف القوانين الأوروبية المنظمة لارتداء البرقع والنقاب ، وغيرها من الأغطية التي تخفي الوجه بشكل كبير من دولة إلى أخرى، ففي حين اختارت بعض الحكومات فرض حظر شامل في الأماكن العامة، اكتفت دول أخرى بقيود جزئية داخل المدارس أو المستشفيات أو وسائل النقل، بينما تترك دول أخرى القرار للمؤسسات والسلطات المحلية.
إيطاليا
وعادت قضية ارتداء البرقع والنقاب إلى واجهة النقاش السياسى فى إيطاليا ، بعد مطالبة نائبة أوروبية عن حزب الرابطة بفرض حظر على تغطية الوجه فى جميع الأماكن العامة، على غرار القواعد المعمول بها فى فرنسا وفى البرتغال أيضا ، فى وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الائنلاف الحاكم إلى تشديد القيود، خاصة فى المدارس.
وقالت النائبة الأوروبية إيزابيلا توفالييري، إن ارتداء النقاب، الذي يغطي الوجه بالكامل تقريبًا باستثناء العينين، يجب أن يُمنع في الأماكن العامة، معتبرة أن إيطاليا بحاجة إلى قانون وطني واضح ينظم هذه المسألة.
وأكدت توفالييري أن نموذج فرنسا، التي تفرض منذ عام 2011 حظرًا على الملابس التي تخفي الوجه بالكامل في الأماكن العامة، يمكن أن يمثل نموذجًا لإيطاليا، داعية إلى إنهاء ما وصفته بالغموض القانوني بشأن ارتداء هذه الملابس.
وتأتي تصريحاتها في ظل تحرك سياسي أوسع داخل إيطاليا لمناقشة فرض قيود جديدة على الأغطية التي تحجب الوجه. فقد دعا وزير التعليم الإيطالي جوزيبي فالديتارا، في وقت سابق من أغسطس، إلى حظر البرقع في المدارس، معتبرًا أن المسألة ترتبط بحماية كرامة المرأة وتعزيز مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.
ولا يعني هذا التحرك أن إيطاليا أقرّت بالفعل حظرًا وطنيًا على البرقع أو النقاب. فالقواعد الحالية تستند جزئيًا إلى قانون صدر عام 1975 يحظر، لأسباب تتعلق بالأمن العام، استخدام الملابس أو الأشياء التي تجعل التعرف على هوية الشخص أكثر صعوبة في الأماكن العامة، وقد استُخدم هذا الإطار في بعض الحالات للتعامل مع الملابس التي تغطي الوجه.
لكن سياسيين من اليمين يطالبون الآن بتشريع أكثر وضوحًا يذكر البرقع والنقاب بصورة صريحة، ويحدد الأماكن التي يمكن فيها فرض القيود والعقوبات المترتبة عليها.
البرتغال
كما عاد الجدل إلى الواجهة مع انضمام البرتغال إلى قائمة الدول الأوروبية التي فرضت قيودًا على ارتداء البرقع وغيره من الأغطية الكاملة للوجه فى الأماكن العامة فى وقت تتواصل فيه النقاشات حول التوازن بين حرية المعتقد الدينى ومتكلبات الأمن والتواصل والاندماج الاجتماعى.
فرنسا.. صاحبة الحظر الأوسع
كانت فرنسا أول دولة أوروبية تفرض حظرًا عامًا على الملابس التي تغطي الوجه بالكامل في الأماكن العامة، وذلك منذ عام 2011. وتشمل القواعد النقاب والبرقع، ويمكن أن يترتب على مخالفتها فرض غرامة أو إلزام الشخص بحضور دروس للتربية المدنية.
وتبرر السلطات الفرنسية القانون بأن إخفاء الوجه يجعل التعرف على هوية الأشخاص أكثر صعوبة، وقد يمثل مشكلة من الناحية الأمنية، فضلًا عن تأثيره على التواصل الاجتماعي في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على تعابير الوجه.
وخلال جائحة كورونا، أثيرت تساؤلات حول مدى توافق الكمامات الطبية مع القانون، قبل أن توضح السلطات أن الاستثناءات الصحية والأمنية تسمح باستخدامها في الظروف التي تستدعي ذلك.
بلجيكا
الغرامة قد تصل إلى السجن ، حيث فرضت بلجيكا حظرا على تغطية الوجه فى الأماكن العامة عام 2011 ، وتسمح القواعد بفرض غرامات بل والسجن ،واستندت السلطات إلى اعتبارات تتعلق بالأمن العام وإمكانية التعرف على الأشخاص، إلى جانب تعزيز التواصل والاندماج داخل المجتمع.
وأيد القضاء الأوروبي في وقت سابق الإطار العام للحظر البلجيكي، ما عزز موقف السلطات في تطبيق القيود على الملابس التي تخفي الوجه بالكامل.
الدنمارك
اختارت الدنمارك نهجا أكثر وضوحا فأقرت فى عام 2018 حظرا عاما على الملابس التي تحفى الوجه فى جميع الأماكن العامة ، ويشمل حظر البرقع والنقاب مع اعتماد السلطات على مبررات تتعلق بضرورة التعرف على الأشخاص وتعزيز الشفافية والتواصل فى الأماكن العامة.
النمسا
القيود تمتد إلى المدارس، حيث دخل حظر الأغطية التي تغطي الوجه بالكامل في النمسا حيز التنفيذ عام 2017، ويشمل البرقع والنقاب.
وتقول السلطات إن القانون يستند إلى اعتبارات تتعلق بالأمن والاندماج الاجتماعي، إذ تعتبر أن إخفاء الوجه يمكن أن يعرقل التواصل والتفاعل بين أفراد المجتمع.
لكن القيود النمساوية لم تتوقف عند الأغطية التي تخفي الوجه؛ ففي عام 2025 أقر البرلمان قانونًا يحظر ارتداء الحجاب الإسلامي للفتيات دون سن 14 عامًا داخل المدارس.
هولندا
منع جزئي في أماكن محددة ، حيث فى هولندا لا يوجد حظر شامل على النقاب أو البرقع، لكن قانونًا دخل حيز التنفيذ عام 2019 يقيد ارتداء الملابس التي تخفي الوجه داخل أماكن معينة. وتشمل هذه القيود المدارس والمستشفيات ووسائل النقل العام، وهي أماكن ترى السلطات أن التواصل الواضح والتعرف على الهوية فيها أمران أساسيان. وبذلك اعتمدت هولندا نموذجًا وسطًا بين الحظر الشامل والسماح الكامل.
بلغاريا
الحظر في الأماكن العامة، حيث فرضت بلغاريا منذ سبتمبر 2026 قيودا على ارتداء البرقع وغيره من الأغطية الكاملة للوجه فى الأماكن العامة مع السماح بها داخل المنازل ، وتشير القواعد إلى أن القيود تستهدف الأغطية التي تمنع رؤية الوجه بالكامل، وليس ارتداء الرموز الدينية بشكل عام.
لوكسمبورج
قائمة طويلة من الأماكن المحظورة، فقد دخل قانون تقييد الأغطية التي تخفي الوجه حيز التنفيذ عام 2018.
وتشمل القيود وسائل النقل العام، والمدارس ومحيطها، والمنشآت المخصصة للأطفال دون 16 عامًا، و المستشفيات، والأجزاء المشتركة في دور رعاية المسنين، إضافة إلى المحاكم والمباني الإدارية المفتوحة للجمهور.
ويعكس هذا النموذج تركيزًا خاصًا على الأماكن التي ترتبط بالخدمات العامة والتواصل المباشر بين المواطنين والموظفين.
ألمانيا
لا قانون موحد ، فقد تتبنى ألمانيا نهجًا مختلفًا، إذ لا توجد قاعدة وطنية موحدة تحظر النقاب أو البرقع في جميع أنحاء البلاد، وبدلًا من ذلك، فرضت بعض الولايات والجهات قيودًا جزئية في المدارس وبعض الأماكن العامة، كما توجد قواعد خاصة ببعض الوظائف والمهن والظروف التي تتطلب كشف الوجه.
وتظل القضية محل جدل؛ فبينما ترى بعض المناطق أن القيود ضرورية لتعزيز الاندماج والتماسك الاجتماعي، يخشى منتقدون من أن تؤدي إلى عزل فئات معينة بدلًا من دمجها.
إسبانيا
لا حظر وطني، حيث أنه إسبانيا لا تمتلك حتى الآن قانونا وطنيا خاصا بحظر النقاب او البرقع ، وبالتالي، تترك السلطات في كثير من الحالات القرار للمؤسسات التعليمية والجهات المحلية.
وفي عام 2013، أيدت المحكمة العليا الإسبانية قرار معهد في مدريد بإبعاد طالبة كانت ترتدي الحجاب، لكن القرار لم يتحول إلى قانون وطني شامل ينظم المسألة.
وتتمسك جماعات إسلامية بأن الدستور الإسباني واتفاقية التعاون الموقعة عام 1992 يضمنان حرية ممارسة الشعائر والرموز الدينية، بينما لم تعتبر وزارة التعليم أن إصدار قواعد وطنية موحدة أولوية، بحجة أن هذه الحالات نادرة ويمكن التعامل معها محليًا.
السويد
فى السويد لا يوجد حظر وطنى على البرقع او النقاب ، ويظل ارتداء الحجاب او النقاب مسموحا فى الحياة العامة، و يعطي النهج السويدي أولوية كبيرة للحقوق الفردية، رغم أن بعض البلديات حاولت في أوقات مختلفة فرض قيود محددة داخل المدارس، استنادًا إلى اعتبارات تتعلق بالاندماج والمساواة بين الجنسين.
ولم تؤد هذه المبادرات المحلية إلى تغيير السياسة الوطنية حتى الآن.
اليونان
تحظر اليونان التمييز على أساس الدين في مجالات العمل والخدمات العامة، لكن تطبيق هذه المبادئ يواجه أحيانًا حالات معقدة، وفي واقعة تعود إلى عام 2022، منع أحد المستشفيات طالبة تمريض من ارتداء غطاء للرأس أثناء التدريب بحجة قواعد الزي الرسمي. وخلص أمين المظالم اليوناني إلى أن القضية تتعلق بقواعد اللباس وليس بالتفريق الديني، ولم يعتبر الإجراء مخالفًا لقوانين مكافحة التمييز.
البرتغال
وتبرز البرتغال كأحدث الدول التي اتجهت إلى فرض قيود على البرقع والأغطية الكاملة للوجه في الأماكن العامة، في تحول يعكس اتساع النقاش الأوروبي حول شكل الرموز الدينية في المجال العام.
وعلى الرغم من أن بعض الدول الأوروبية تتجه نحو الحظر الكامل، فإن دولًا أخرى تركز على وضع قيود محددة في الأماكن التي تتطلب كشف الهوية أو التواصل المباشر، بينما تتمسك دول أخرى بمبدأ الحرية الدينية وتترك الأمر للتنظيم المحلي.