إذا كان انتقال العلاقات المصرية الصينية من الشراكة إلى ما سبق وأن وصفته في المقال السابق بـ"الارتكاز الاستراتيجي" يرتبط بقدرة كل طرف على توسيع نطاق حركته عبر الآخر، فإن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تطرح بعدا آخر لا يتعلق فقط بموقع الصين داخل شبكة العلاقات المصرية، وإنما بما تكشفه هذه العلاقة عن قدرة القاهرة على العمل داخل شبكات متعددة في الوقت نفسه، والاستفادة من الوظائف المختلفة التي تتيحها كل منها.
وهنا ربما نكون أمام امتداد لمفهوم "العمق الاستراتيجي" يتجاوز ما يحمله من ارتباط تقليدي بالجغرافيا، فكما تمنح الجغرافيا الدولة مساحة أوسع للحركة والمناورة، يمكن لتعدد الشبكات التي تعمل داخلها أن يمنحها مساحة وظيفية أوسع للحركة، لا تقوم على عدد الشراكات التي تمتلكها فحسب، وإنما على قدرتها على تعميق إحداها دون أن تفقد قدرتها على العمل داخل الأخرى، وهو ما يمكن وصفه بـ"العمق الشبكي".
وهنا يمكننا تعريف "العمق الشبكي" بأنه قدرة الدولة على العمل داخل شبكات متعددة، حتى وإن كانت متنافسة، وتوظيف ما تتيحه من وظائف وموارد مختلفة لخدمة أهدافها، وبالتالي فإن المعيار لا يتوقف على عدد الشبكات التي تستطيع الدولة العمل داخلها، وإنما يمتد إلى قدرتها على الاستفادة من مساحات التقاطع بينها والجمع بين ما تتيحه من إمكانات، بما يوسع مجال الفعل المتاح أمامها.
فالتنافس بين الشبكات المختلفة لا يعني بالضرورة انفصالها الكامل، إذ يمكن أن تبقى بينها مساحات من التقاطع المصلحي، عندما تلتقي مصالح أطراف تنتمي إلى شبكات متنافسة في قضايا أو مجالات بعينها، أو التقاطع العضوي، عندما يوجد فاعل واحد أو أكثر داخل شبكات مختلفة في الوقت نفسه، سواء اتخذ هذا الوجود صورة مؤسسية أو قام على أنماط أكثر مرونة من الارتباط. غير أن وجود هذه التقاطعات لا ينتج في حد ذاته عمقا شبكيا، وإنما يتيح مساحة يمكن للدولة توظيفها للجمع بين وظائف وموارد تنتمي إلى شبكات مختلفة، وتحويل تعدد دوائر الحركة إلى قدرة فعلية على توسيع مجالها الاستراتيجي.
ولعل العلاقات المصرية الصينية تمثل أحد النماذج التي يمكن من خلالها رصد الكيفية التي تستطيع بها الدولة توسيع "عمقها الشبكي"، وهو ما لا يقتصر في حقيقة الأمر على تنويع العلاقات في صورتها التقليدية، باعتبار كل علاقة ثنائية مسارا مستقلا بذاته، وإنما يمتد إلى التحرك "الشبكي"، الذي يعتمد في الأساس على مرونة الدولة في العمل بفاعلية داخل أكثر من شبكة، والقدرة على توظيف مساحات التقاطع بينها. فالقاهرة وبكين لا تنتميان إلى دائرة دولية واحدة مغلقة، وإنما تتحرك كل منهما داخل مجموعة من الدوائر الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تتقاطع عضويا ومصلحيا في بعض المجالات، وتتباين أو تتنافس في مجالات أخرى.
وتبدو خصوصية الحالة المصرية هنا في أن تعدد دوائر حركتها لا يقتصر على شبكة بعينها، فمصر تتحرك داخل الدائرة العربية بحكم موقعها ودورها وعلاقاتها الإقليمية، وداخل الدائرة الأفريقية عبر ارتباطاتها السياسية والاقتصادية بالقارة، كما ترتبط بشبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والسياسية مع أوروبا والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه توسع حضورها داخل شبكات القوى الصاعدة والجنوب العالمي، ومن بينها تجمع "بريكس"، إلى جانب علاقتها المتنامية مع الصين.
إلا أن هذه الشبكات لا تتحرك في واقع الأمر في مسارات منفصلة بصورة كاملة، وإنما تتقاطع في عدد من أعضائها ومصالحها ووظائفها، بما يجعل مصر نفسها نقطة من نقاط هذا التقاطع، فوجودها داخل أكثر من دائرة في الوقت نفسه يمثل تقاطعا عضويا بين شبكات مختلفة، بينما تخلق المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية المشتركة بين أطراف هذه الشبكات مساحات أخرى من التقاطع المصلحي، حتى عندما تتباين رؤاها أو تتنافس في قضايا أخرى.
غير أن القيمة الاستراتيجية لهذا الموقع لا تنشأ من تعدد الشبكات أو تقاطعها في حد ذاته، وإنما من قدرة القاهرة على توظيف هذا التقاطع، بحيث لا تبقى كل علاقة مسارا منفصلا عن الأخرى، وإنما تصبح الوظائف والموارد التي تتيحها شبكة ما قابلة للاتصال بما تتيحه شبكات أخرى، ليتحول تنويع العلاقات من مجرد تعدد في الشركاء إلى قدرة على توسيع مجال الحركة، وبالتالي يكتسب "العمق الشبكي" مضمونه العملي.
ولذا فإن العلاقة مع الصين تحمل دلالة تتجاوز موقعها كإحدى الشراكات الرئيسية للقاهرة، إذ يمكن لما تتيحه من قدرات صناعية وتكنولوجية واستثمارية أن يكتسب قيمة إضافية عندما يتصل بما تمتلكه مصر من حضور داخل شبكات وأسواق ودوائر اقتصادية أخرى، مثلما يمكن للعلاقة السياسية المتنامية بين البلدين أن توسع مساحة الحركة المصرية داخل شبكات القوى الصاعدة والجنوب العالمي، بالتوازي مع استمرار قدرتها على العمل داخل دوائرها العربية والأفريقية والمتوسطية والدولية الأخرى.
وتكمن القيمة الأهم لهذا التداخل في إمكانية إنتاج قدرات مركبة لا توفرها شبكة واحدة بصورة منفردة، إذ يمكن للقدرات الصناعية أو التكنولوجية التي تتيحها العلاقة مع الصين أن تتصل بما تمنحه شبكات أخرى من أسواق أو تمويل أو خبرات أو أطر تنظيمية، بحيث لا يصبح مردود العلاقة مع كل شبكة مقصورا على ما تقدمه بصورة مستقلة، وإنما يمتد إلى ما يمكن إنتاجه من خلال الجمع بينها، لتصبح مرونة الحركة بين الشبكات ليست مجرد وسيلة لتنويع الخيارات، وإنما موردا استراتيجيا في حد ذاته.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج باعتبارها فرصة لا تقتصر على تعميق إحدى أهم دوائر الحركة المصرية، وإنما تمتد إلى زيادة ما يمكن أن تضيفه هذه الدائرة إلى غيرها من الشبكات التي تعمل داخلها القاهرة، فالقيمة الاستراتيجية لأي توسع جديد في التعاون بين البلدين لن تتحدد فقط بحجم ما ينتجه داخل العلاقة الثنائية، وإنما بمدى قابليته للاتصال بوظائف وموارد وأسواق تتيحها دوائر أخرى، وتحويل هذا الاتصال إلى قدرة إضافية للدولة المصرية.
وفي هذا الإطار، يمكن لمفهوم "العمق الشبكي" أن يضيف بعدا آخر إلى الرؤية المشتركة بين مصر والصين بشأن أهمية بناء نظام دولي أكثر تعددية، إذ لا يشترط أن تبدأ التعددية بإعادة توزيع القوة بين عدد من الأقطاب، وإنما يمكن أن تتشكل أيضا من خلال توسيع الشبكات التي تتحرك داخلها الدول وتنويع مسارات الفعل المتاحة أمامها، فقد يبقى توزيع القوة في النظام الدولي أقرب إلى الأحادية القطبية، بينما تصبح بنية الحركة داخله أكثر تعددية على المستوى الشبكي.
ومن ثم، فإن قدرة الدول على العمل داخل شبكات متعددة، وتوظيف مساحات التقاطع بينها، يمكن أن تمنح التعددية مضمونا عمليا حتى قبل اكتمال تحولها على مستوى توزيع القوة، بحيث لا تبقى مرتبطة فقط بظهور أقطاب جديدة، وإنما تمتد إلى تعدد المسارات والشبكات التي يمكن من خلالها إنتاج الفعل والتأثير داخل النظام الدولي.
وهنا تحمل الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة دلالة تتجاوز ما يمكن أن تسفر عنه من توسع في مجالات التعاون بين البلدين، إذ يمكن النظر إليها باعتبارها جزءا من مسار أوسع يسمح لمصر بتعميق إحدى شبكات حركتها الدولية، مع الحفاظ على قدرتها على العمل داخل الشبكات الأخرى وتوظيف مساحات التقاطع بينها. وبالتالي لا يصبح تطوير العلاقات المصرية الصينية مجرد إضافة إلى رصيد الشراكات الخارجية للقاهرة، وإنما فرصة لتعزيز "عمقها الشبكي"، وتحويل تعدد دوائر الحركة من واقع قائم في السياسة الخارجية إلى مورد استراتيجي يمكن توظيفه، وهو ما يمنح التعددية التي تتوافق القاهرة وبكين على أهميتها مضمونا عمليا يبدأ من تعدد مسارات حركة الدول، حتى قبل أن يكتمل تعدد مراكز القوة في النظام الدولي.
إقرأ أيضا
مصر والصين.. من الشراكة إلى "الارتكاز الاستراتيجى" المتبادل
الـ GAPS وبنية النظام العالمى.. أحادية قطبية وتعددية شبكية
التحالفات الدولية.. من وحدة الهدف إلى تقاطع المصالح