تمضى الحرب بين الولايات المتحدة وإيران جهة التوسّع يوما بعد آخر، والأسوأ لم يأت بعد، حسبما تشى حسابات العقل.
وعلى وقع الحسابات ذاتها أيضا تعلو فرص التهدئة، أو الجمود عند الحالة الراهنة، باعتبار أن المعركة بلغت ذروتها وانكسر المنحنى بالفعل، وتلك مأساة المنطقة وأردأ ما تعانيه اليوم، أن كل الاحتمالات لديها واردة، ومقبولة تماما بالمنطق ونماذجه الرياضية، حتى أشدها جنونا ولا معقولية.
تقول الحكمة المنسوبة إلى ميكيافيلى: لا تجرح عدوّك، فإما تقتله أو تصادقه. وطرفا الميدان ارتكبا حماقة الإيذاء المُتبادَل، ولا مكان فى قلب أحدهما للآخر.
داست واشنطن على وجه الجمهورية الإسلامية بحذائها الثقيل، وردّت الأخيرة بأن خدشت كبرياءها وعرضت مصالحها على امتداد المنطقة للخطر.
تهدّم جدار الردع، واختلّت التوازنات، وبقيت الأزمة فى عُهدة السيولة المطلقة، أو على قول جرامشى: العالم القديم يموت، والجديد يُكافح ليُولَد.
أى أننا غادرنا مرحلة، ولمّا ندخل ما بعدها، وما تزال صيغتها الكاملة فى علم الغيب، سائلة مُتقلّبة، وخاضعة لمعادلات القوة التى تتكشَّف، أو تفرض نفسها على مُقبل الأيام.
غير أن الفروق واضحة منذ البداية، ولو غمُضت على البعض، أو أنكرها آخرون. والخطأ الأكبر أن يُستَدَل بالعلامة على غير ما تعنيه، أو تُقرَأ الرسائل فى غير المكان والزمان المضبوطَين!
يُهدّد ترامب بإغلاظ الهجوم على مصادر الطاقة، مُتوهّمًا أنها قد تُنتج أثرًا سياسيًّا يدفع صقور النظام الدينى بعيدًا من التشدّد، أو يُجبره على تقديم تنازلات.
وفى المقابل، فعندما يُعلّق الضربات قبل أسبوعٍ، على أساس أنه يستجيب لرغبة من طهران والوسطاء، يفهم حرس الثورة الخطوة على معنى النكوص، وأنها تُعبّر عن هشاشةٍ وضعف، فيُبادر بالهجوم على أصول أمريكية بالأردن!
لا يستقر الرئيس على نغمة واحدة، يُعنى على اللحن ومقلوبه فى اللحظة ذاتها، ودونه رجال الإدارة ينقسمون على محورين:
ماركو روبيو وجناح محافظ مع التصعيد، والنائب فانس مع المُخلصون لشعار «أمريكا أوّلا» نحو التهدئة، وخارج ما تُحاول إسرائيل وضعه على لائحة الأولويات.
أمّا دولة الملالى، فإنها روحان فى جسم واحد، أو بلدان محبوسان فى الخريطة ذاتها. وما يتفاوض عليه الساسة، ينقضه الجنرالات، وللأخيرين يدٌ أعلى على سواهم.
كان الشارع هائجًا قبل الحرب، وعاد للتململ مؤخّرًا. الأيام الماضية شهدت تظاهرات غاضبة فى بعض المُدن من أوضاع الاقتصاد، والملايين ما عادوا قادرين على التحمّل، غير أنهم صامتون بالإجبار.
النظام فى مأزق، يتصلّب لأنها فرصته الأخيرة فى البقاء، ويخشى التهدئة أضعاف ما يتحسّب للتصعيد، إذ الحرب تُرمّم صفوفه، تُسكِت الخصوم مؤقّتًا، ترفع الهُويّة الفارسية فوق الألوان السياسية، بينما الاستقرار يُفجّر التناقضات.
والطرف المُضاد يرى ويسمع، ويعرف واقع طبقة الحُكم مع مُحيطها، وفيما بين أجنحتها المختلفة والمُتصارعة، إنما لا يعرف كيف يُدير المواجهة، ويخشى مِمّا يُوقن أنه ماضٍ إليه فى آخر المطاف.
لم يعد التعايش بين الجانبين مُمكنًا، ولا يحتمل الإقليم إبقاء مُعادلات الماضى بصورتها المُختلة. والتغيير فريضة سيحين أوانها المحتوم، مهما تهرّب منها المُكلّفون.
بالتمنّى والأفكار الرغائبية، لا مُنتصر ولا مهزوم، وستبقى الأوضاع على ما هى الآن. وبالواقعية الخشنة، فالشرق الذى عرفناه انقضت صلاحيته، وصيغته السابقة غير قابلة لإعادة الإنتاج بحذافيرها!
صارت الحرب إقليمية بالفعل، وتتصاعد مخاطر توسّعها، لا سيما بعدما حُيِّدَت إسرائيل أو نُحِّيَت عنها بإملاء أمريكى. وكان أغرب ما تردّد مؤخّرا، أن واشنطن تُرتِّب لضربة مع تل أبيب.
والحال، أن حضور الصهاينة فى المشهد قوّض الجولة منذ بدايتها، ولوّنها بصبغةٍ مُستهجنة لدى القواعد الشعبية فى المنطقة، فمنح إيران مساحة رمادية تسرّبت منها للعوام، ومرّرت سرديّتها التى لا تختلف عن نظيرتها العبرية إطلاقًا.
كلاهما من طينة واحدة، له مشروع توسّعى عدائى، يتأسس على العِرق والدين معًا/ وللاثنين معنىً واحد لدى اليهود، والعرب فى منظورهما مُجرّد أهداف، وبلادهم مغانم يحق استحلالها والقضم منها على قدر الطاقة.
وإذ اكتشف ترامب أن قتاله بجانب نتنياهو خاسر لا محالة، معنويًّا أو ماديًّا، وربما فيهما معًا، فقد سعى إلى إعادة تعريف الصراع وترتيب أوراقه مُجدّدًا:
أمركة الموجهة مع الفُرس، تخليص الدول العربية المُعتدَى عليها من عبء التجاور مع إسرائيل، ثمّ فصل سوريا ولبنان وغزة عن المسار الأساسى مع طهران، وعن شعارات المُمانعة أصلاً.
ما تزال النظرة الأمريكية مُشوّشة، لكن الأذن مفتوحة. التهديد بمحطّات الطاقة، يُخشَى منه أن تردّ ميليشيا الحرس وأذرعها عليه بالمثل، فتقصف الأصول والأعيان المدنية المُناظرة لدى دول الجوار، وعليه عُلِّقَت الضربة حسبما أعلن ترامب.
لا حل بالسلاح، ولا بالسياسة أيضًا للأسف. ارتباك وتعثّر، مع غيبة البدائل. يتحدث رجل الصفقات عن التفاوض، ويُلوّح بالنار.
وفيما يفشل حصاره البحرى، يُهدّد بنسخة برية مستحيلة، لأن الهضبة الفارسية تُلاصق سبع دُوَل، ويزداد العدد لتسعٍ إن نظرنا إلى شواطئ بحر قزوين، مع انعدام إمكانية خنق البر هناك أو تجفيف الماء!
زحام من التناقضات، ومآلات شتّى، كلها مُقبولة ومرعبة وصعبة فى آن واحدٍ. فجّر الحماسيون طوفانهم لقلب المنطقة رأسًا على عقب، لكنها انقلبت فوق رؤوسهم وحلفائهم وعموم الشيعيّة المُسلّحة!
لا يقول عاقل إن السنوار تقصّد تحرير فلسطين، ولا خوض مُنازَلة يُوقِن أنها غير مُتكافئة. أراد إحماء النار، وجرّ الآخرين إليها، وخلط الحابل بالنابل.
جولة ضد الاحتلال، آلت إلى جولات تسعى لتثبيته: هيمنة إيران على مضيق هُرمز، وفى العراق واليمن، وقضم إسرائيل لمزيدٍ من الأرض السورية، مع ثُلثى غزّة والتوسّع فى الضفة، وبينهما صراع المُحتلَّين الاثنين على لبنان، فى صورة ميليشيات الحزب وابتلاع بعض الجنوب.
يُقدّم نتنياهو ترضية فى القطاع، ليحوز غض الطرف وراء الليطانى، أو هجمة ثنائية جديدة على إيران. بزشكيان وإدارته يُلملمون ما يبعثره جنرالات الحرس، وبلد برأسين لا يُمكن أن ينتظم فى نومٍ أو صحوٍ!
قد تصّاعد الحرب، أو تخفُت قليلاً، لكنها ستتردّد بين الحالين، والجمود له نكهة حارقة كالاشتعال. ولعلّها مسألة وقت، قبل أن يتجرّع المهزوم كأس السمّ جبرًا، طالما لم يبلعه اختيارًا.