محمود عبد الراضى

شاشة زرقاء وحياة مستعارة

السبت، 29 أغسطس 2026 10:26 ص


يجلس أحدنا في عتمة غرفته، يقلّب بأصابعه على زجاج هاتف لا يرحم، في ثوانٍ معدودة، يمرّ أمامه شريط من مسرات الآخرين: سفرية مفاجئة، ترقية استثنائية، منزل دافئ، وابتسامات تبدو مكتملة النصاب، دون أن يشعر، تتسرب إلى صدره غصة دافئة تتنكر في زيّ السؤال: "لماذا هم، ولست أنا؟"

تلك هي عقدة المقارنة، الآفة التي تقتات على هدوئنا اليومي، لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي من جسور للتواصل إلى ساحات تستعرض نعمًا معلبة، ننسى أمامها أن ما نراه ليس سوى "قصة قصيرة مجتزأة"، عُدّلت إضاءتها وزُوّقت تفاصيلها بعناية، لنقارن بكامل وعينا "خلفيات كواليسنا المجهدة" بـ "المشاهد المصورة" للآخرين.

نحن لا نخسر رضا النفس دفعة واحدة، بل نتآكل تقسيطًا؛ كلما استحسنّا حياة غيرنا، استقبحنا واقعنا، نسينا أن المنشورات لا تنقل هزائم أصحابها، وأن الكامير تصنع بهجة زائفة.

في هذا السباق الوهمي، أصبحت "النعمة" لا تُقاس بما نملك، بل بما يملكه الغريب في حسابه الموثق!

إن تدمير الرضا الداخلي لا يحتاج إلى كارثة، يكفيه فقط أن تعتقد أن الجميع يسير وأنت الوحيد الواقف، لكن الحقيقة الأبسط والأشد غيابًا هي أن لكل منا مضماره؛ فلماذا نركض في مضمار غيرنا بأقدام حافية؟

دع الهاتف جانبًا لخمس دقائق، وتأمل ما بين يديك بعيدًا عن فلتر الشاشات، الحياة الحقيقية ليست تلك التي تُعجب الجماهير، بل تلك التي تُربك روحك بالسكينة حين تنطفئ الأنوار ويصمت الجميع.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة