تتخلق ملامح الوعي الجمعي الرشيد في خضم مسيرة طويلة من المعارف الصحيحة من خلال مصادرها الموثوقة والموثقة؛ بالإضافة إلى صور الممارسات القويمة، عبر بوابة الوجدانيات النقية المعظمة للاتصافات القيمية النبيلة؛ ومن ثم تتجاوز مستوى الانفعال المؤقت لتستقر في مساحة الإدراك الرشيد؛ حيث تتكامل رؤى المجتمع لتعبر عن إرادته الحقيقية، في مقابل ذلك تبرز على منصات التواصل الاجتماعي توجهات متسارعة تفتقر إلى قوامة المعرفة، وتعتمد على رواج الفضاء الرقمي؛ فيما يشبه الوهم الذي لا يعبر بحال عن حقيقة الاتجاهات الثابتة والراسخة التي يمتلكها أبناء الوطن تجاه قضاياهم المصيرية.
تعتمد استراتيجيات تأليب الرأي العام على استغلال حالات الغموض، ونشر أجزاء مجتزأة من القضايا؛ حيث مأرب تغذية ما يسمى بالضجيج الرقمي؛ إذ ترصد من خلال زيادة حالة الزخم؛ بغية التأثير في استقرار الوطن، ناهيك عن توجيه بوصلة الاهتمام الشعبي نحو تفاهات تضر باللحمة المجتمعية، وتخلق حالة من ضعف الموثوقية بين المواطن ومؤسساته الوطنية، عبر آليات الاستقطاب الموجهة التي تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي الصحيح، والحكمة والتروي قبل الانسياق خلف تلك المنابر المضللة.
تتسلل الشائعات المغرضة عبر الفضاء الرقمي مستغلة غياب القدر الكافي من الحد الثقافي تجاه القضية محل الاهتمام لدى المتلقي، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه للاعب البديل الذي بدوره يصنع حالة من الارتباك، بل ويؤجج صدور المتابعين بمزيد من حالة القلق، وهذا دون مواربة يخدم بصورة مباشرة أهداف جماعات تسعى لتفكيك النسيج الاجتماعي، وإضعاف الروح المعنوية، وإثارة الاضطرابات بما يهدد الأمن القومي؛ حينئذ يقف الفرد حائرًا أمام مسارات التنمية المستدامة، وبالطبع يحتم ذلك علينا أن نعمل على تكاتف الجهود الوطنية لرفع المستوى الفكري والثقافي وتحصين الأذهان ضد هذه الأفكار الهدامة.
يتأتى التصدي لهذه الممارسات الممنهجة عبر ترسيخ منهجية البحث لدى المواطن الذي يتوجب عليه أن يلتزم بالمرجعيات الرسمية التي تتيح له بواباتها كافة المعلومات والبيانات حول القضية محل الاهتمام، كما ينبغي علينا أن نتحرى الدقة تجاه ما نتلقى من معلومات أو بيانات قد تنشر عبر منصات الفضاء المفتوح، وهناك دور غاية في الأهمية يخص المؤسسات التشريعية؛ حيث ضرورة إقرار عقوبات رادعة تحمي السلم العام وتصون مقدرات الدولة من عبث المروجين للفتن؛ فالأمر بات جد خطير.
بناء الأمم يصعب أن يقوم على وعي مشوه، ويستحيل أن يؤسس على خوار الجبهة الداخلية؛ ومن ثم يتوجب أن نتضافر سويًا من أجل أن ندحض أكاذيب زائفة تستهدف النيل من ثوابت هذا المجتمع الأصيل، الذي يتميز بشمائل أضحت نادرة في خضم تحديات جمة تحيط بنا من كل جانب، مما يفرض علينا اليقظة الدائمة والعمل الجاد لحماية مسيرة الوطن وتعزيز استقراره المنشود في مواجهة كافة الأخطار المحتملة.
تتطلب مواجهة استراتيجيات تأليب الرأي العام والشائعات المغرضة تكثيف الجهود المخطط لها سلفًا لرفع المستوى الثقافي والفكري والتوعوي لدى المواطنين داخل المؤسسات وخارجها، عبر عقد مزيد من الندوات التثقيفية الشاملة لكافة أطياف المجتمع، وبما يعضد حالة الوعي السليم، ويضمن المقاومة الذاتية ضد الأفكار الهدامة، التي تستهدف النيل من استقرار ووحدة الوطن.
الدراما لاعب رئيس في تنمية الوعي؛ لذا ينبغي الاهتمام بها لتشمل في سجاياها ما يساهم في تنمية الإدراك القويم، وما يسهم في تصويب أنماط الفهم الخطأ أو المغلوط في كافة ما يعرض من قضايا تهم الرأي العام المصري على وجه الخصوص، عبر طرح معالجات فنية عميقة، تلامس هموم المواطن وتسهم في ارتقاء الوجدان العام، ونشر قيم الانتماء الوطني والمسؤولية المجتمعية نحو مستقبل أفضل.