حكايات الولاد والأرض 25.. والدة البطل عاصم أحمد حسن: ما عرفناش إنه بيخدم فى سيناء إلا عند استشهاده

الأربعاء، 26 أغسطس 2026 12:00 ص


البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن، أوصى والدته أن تدفنه بسيناء
قادته وزملاؤه أحبوا فيه إتقانه وإخلاصه لعمله، وجمال خطه، وعذوبة صوته عندما يتلو القرآن.
يقول لأمه: «جزء منك قد يسبقك إلى الجنة، وأنا أحب أن أكون هذا الجزء وأنتظرك هناك».

 

بعد صلاة فجر الخميس، وكنت قد اعتدت صيامه مع الاثنين من كل أسبوع، حمدًا لله على أن وهبني قرة عيني عاصم، هذا الفجر لم تشرق شمسه كما هي كل يوم على عريش سيناء. فمنذ ستة وعشرين عامًا وشمس العريش تشرق زاهية مع فجرها، لكنه يوم مختلف عن الأيام السابقة عليه. قلبي كان يستوقفني في صلاتي عندما أدعو لأولادي، ويخص بالدعاء عاصم، ولا أعلم تفسيرًا لذلك، وكنت أردد في داخلي: «معلش، ما هو ابني البكر»، وأخفي بعض القلق الذي زاد وكثر إلى حد التوتر غير المبرر، ولم أعرف له سببًا، أو كنت أتجاهل الالتفات إلى هذا الصوت الآتي من أعماق قلبي، يردد صداه: «لا تحزني يا أمي، وأبشري...».

كنت أعلم هذا الصوت جيدًا، وكنت أسمعه كثيرًا، وهذه «الجملة» التي أتذكرها تحديدًا بعد كل مرة يرجوني فيها بالدعاء له بالشهادة، وأنا أغضب بشدة ويعتصرني الحزن، لا منه بل عليه، فيبادر هو ويقول لي بابتسامة عهدتها فيه كشمس سيناء الساطعة: «أبشري، فجزء منك قد يسبقك إلى الجنة، وأنا أحب أن أكون هذا الجزء وأنتظرك هناك».

هذه الجمل كانت تمزق صدري أو تخلع قلبي من فؤاده. اليوم كانت تحاصرني، وأنا أتهرب منها، فتطاردني، كأنها تملأ أركان البيت، لا تترك لي موضعًا حتى في فضاء السماء...! فرفعت وجهي إلى ربي لأتحدى به وأستقوي به على هذه الجملة التي كادت أن تمسك عني أنفاسي، وقلت لربي بصوت العين الباكية منعدمة الحيلة: «يا رب، ألطف بقلب أم تعلم عن وليدها ما خلقته عليه».

وما هي إلا هنيهات حتى زغرد في فضاء صمت الرجاء صوت تليفون عاصم.

«نعم يا ابني».

ويسأل: «مالك يا أمي؟ في حاجة؟».

وأرد عليه مستسلمة: «لا يا ابني، الحمد لله، إنت كويس، وبخير؟».

«آه يا أمي، مش عايز غير حاجة واحدة... الأول إنتِ فطرتي يا أمي؟».

وترد: «يا ابني، أنا صايمة النهارده الخميس».

«آه صحيح، طب كويس علشان الدعوة تبقى مُجابة إن شاء الله!».

تتعجب: «دعوة؟! دعوة إيه يا ضنايا؟».

يسرع البطل: «يا أمي، ادعي لي زي ما إنتِ عارفة، طلبي الوحيد!».

«يا ابني، ما تخلعش قلبي عليك...».

«بس ادعي لي علشان أطمن».

تتوسل الأم: «يا ضنايا، قلبي وربّي راضيين عليك ليوم الدين».

يبتسم البطل من قلبه، ويكاد يطير فرحًا: «بس خلاص، مش عايز غير الدعوة الحلوة دي يا ست الحبايب، هتوحشيني لحد ما أشوفك على خير».

وكل المكالمة دي وأنا عيني للسماء، كأني شايفة حاجة تانية، أو كأني بدور على حاجة طالعة مني للسماء، لحد ما مدت يميني لفوق وفردتها على آخرها، لحد ما لمست آخر عقلة منها: سلام عاصم!

تتكئ البطلة على برواز صورة عاصم، كأنها تستند على أحد جبال سيناء، وتشرع في سرد حكايتها:

«.. من ٢٩ ديسمبر لعام ١٩٩٠ وحتى عام ٢٠١٦ مرت أيامها كأنها ثوانٍ... لكني فاكراها كويس، فاكرة كل لمحة من عينه، وكل حركة من جسمه، حتى إني شامة نفسه، وسامعة تنهيدته ودقات قلبه، كل حاجة عن عاصم موجودة هنا زي ما هي» – وتشير إلى صدرها – «ابني الشهيد عاصم أحمد حسن عبد الوهاب أحمد، اتولد في المنيا بسمالوط في ٢٩/١٢/١٩٩٠، لكننا اتنقلنا إلى العريش، واتربى فيها، ودخل مدارس العريش، كل مراحل التعليم المختلفة بشمال سيناء، ابتدائي وإعدادي وثانوي، وجامعة قناة السويس قبل إنشاء جامعة العريش، وتخرج بتميز وتفوق بشكل ليس له مثيل بكل مراحل التعليم المختلفة، وتميز في إلقاء الشعر وحفظ القرآن الكريم وأتقن مهارة الخط الجميل.

عاصم كان من المتفوقين دراسيًا، والجميع كان بيتنبأ له بمستقبل عظيم، وإنه حا يكون حاجة كبيرة، فقد كان متفوقًا في جميع مراحل التعليم، ومنذ صغره من الأوائل على المدارس، وفي الثانوية العامة حصل على مجموع كبير جدًا، وحصل على بكالوريوس زراعة وعلوم بيئية بتفوق، وبعدها سعى لتحقيق حلمه الذي كان كل أمله بالحياة، وهو الالتحاق بالكلية الحربية، وربنا أكرمه والتحق بالأكاديمية الحربية ٢٠١٢ ضمن الضباط المتخصصين، وتخرج مع دفعة ١٠٥ حربية ضباط متخصصين، والتحق بسلاح التعيينات، وكان حكمدار دفعته، والكل يتكلم عنه إنه خلوق وطيب ومصلي ومنضبط.

كان لا يبلغ عن أي خطأ لزملائه، ويأخذ هو العقاب مكانهم، حتى إنه كان يُحرم من النزول إجازات لأنه لم يبلغ عن أخطاء بسيطة لزملائه. كان محبوبًا حبًا جمًا من كل دفعته، حتى إن الكثير منهم يتواصل معي للآن حبًا فيه وجبرًا لخاطره بعد استشهاده.

خدم في الإسماعيلية زي ما كان دائمًا يقول لنا، ما عرفناش إنه بيخدم في سيناء إلا عند استشهاده.

حكى لي زملاؤه إن كل القادة له في الجيش كانوا يحبونه ويحترمون فيه إتقانه لعمله وحسن أدائه، ويتعجبون لجمال خطه عندما يكتب، ولعذوبة صوته عندما يرتل القرآن.

كان شديد الحب للحياة العسكرية، وأثناء اختبارات الكلية الحربية كان يدعو الله ليلًا ونهارًا للفوز بالقبول بالأكاديمية، ويقول لي: «ادعي لي يا أمي، ادعي لي كتير»، ويدعو هو الله كثيرًا للفوز بها، وفرحته لم توصف يوم أن جاءت له رسالة القبول للالتحاق بالكلية الحربية.

وتخرج بفضل الله وخدم في محافظة الإسماعيلية، وتم نقل خدمته إلى شمال سيناء بناءً على طلبه – كما علمت بعد ذلك –، ولم يُرد إبلاغنا حتى لا نقلق عليه، ويشهد الله أننا لم نعلم بأن خدمته في شمال سيناء إلا يوم استشهاده، فقد كان لا يريد أن نقلق عليه ونطلب نقله للوادي، حيث إننا من مقيمي شمال سيناء.

وكان عندما يأخذ راحة أو إجازة أطلب منه عدم الحضور إلى شمال سيناء خوفًا عليه من الأحداث هناك، ولكنه كان دائمًا ما يقول لي: «هوه حد يطول الشهادة يا ماما؟ أنا لو في حضنك يا ماما وربنا كاتب لي أي حاجة، لازم هشوفها، هو حد يطول الموتة دي، شهيد».

وكنت أسافر من شمال سيناء قبل الراحة بتاعته إلى المنيا، وأطلب منه الحضور للمنيا في إجازته خوفًا عليه، وهو حتى لا يغضبني يسافر المنيا غصب عنه ليراني، ومرات كثيرة ما يرضاش يقول لي على ميعاد الراحة ويحضر لنا إلى شمال سيناء، وعرفت إنه كان بيعمل كده ويخبي عني ميعاد إجازاته علشان ما أسافرش أنا من شمال سيناء للمنيا، وهو من شمال سيناء للمنيا علشان نتقابل هناك، وأنا كنت فاكرة إني بأبعده عن الأحداث في شمال سيناء، وفي الحقيقة كان هو أحد أبطال هذه الأحداث!

ضنايا كان خلوقًا وطيب القلب، وعمره ما كان له أي موقف صعب، الحمد لله ساب لي سيرته الطيبة العطرة اللي يسودها الاحترام والحب من كل اللي عرفوه واتعاملوا معاه.

كان يتمنى الشهادة ويقول لي: «يا ماما، الشهادة دي نفسي أطولها»، وقبل استشهاده بـ١٠ أيام أوصاني بالدفن في شمال سيناء، لأنها أرض مباركة وطيبة وأرض الشهداء، ورويت بدماء الشهداء، وأتمنى الدفن بها، حتى إن زمايله قاموا بتجهيز الطائرة التي تستقل الأسرة والجثمان إلى مسقط رأسه بمحافظة المنيا، وأنا رفضت تنفيذًا لوصيته، وهي الدفن بشمال سيناء، وتم دفنه بشمال سيناء كما أراد وأوصى.

كان استشهاده يوم ٤/٢/٢٠١٦ بمنطقة بئر لحفن وسط سيناء إثر انفجار عبوة ناسفة أدت لاستشهاده، وكان يتمنى انتهاء الإرهاب من شمال سيناء ومن مصر كلها، وكان يقول: «نفسي يا ماما شمال سيناء ترجع زي الأول وأحسن، والحمد لله ربنا هيحقق أمنيته، وستظل مصر بخير ويقضي على الإرهاب تمامًا، وتتعمّر سيناء بإذن الله».

كان من أهم كلامه: «يا ماما، الأعمار بيد الله وعمري مكتوب من وأنا في بطنك، مكتوب هموت وأنا مثلًا عندي ٣٠ سنة، فالأعمار مكتوبة، ما تخافيش، محدش بيسيب من أجله يوم، هو حد يطول الشهادة».

وكان سهل جدًا يرفض الخدمة في شمال سيناء لسبب بسيط، وهو إن مقر إقامة أسرته في شمال سيناء، ولكنه صمم على العمل في سيناء رغم الظروف الأمنية الصعبة، فكان لديه الرغبة في الدفاع عن الوطن والتضحية بحياته، وكان له ابتسامة جميلة تظهر جمال ملامحه ووجهه الوسيم، اللي دائمًا متفائل ولا يهاب أي مصاعب أو مشاكل، وابتسامته لا تفارق وجهه في أحلك الظروف، وكان لها بريق وشكل غير عادي.

كان والده مدير مدرسة التربية الفكرية بشمال سيناء، وكنت أنا مدرسة لغة عربية بشمال سيناء بمدرسة النور للمكفوفين. في بداية حياتنا رفضنا نهائيًا إعطاء دروس خصوصية، وتفرغنا لأولادنا حتى تم استكمال تعليمهم، ... عاصم، رحمة الله عليه، ودكتورة سارة، معيدة بجامعة العريش وكانت الأولى على دفعتها وتم تعيينها معيدة، وياسمين دكتورة بكلية تربية رياضية، وحسن ملازم بقوات الدفاع الجوي، دفعة ٤٩ دفاع جوي، تخرج ٢٠٢١، وحسن، الأخ الأصغر للشهيد عاصم، ترك كلية الهندسة سنة ثانية هندسة بتقدير جيد جدًا، والتحق بكلية الدفاع الجوي، وقال: «لازم أجيب حق أخويا الشهيد عاصم». أصبحوا أولادي، الحمد لله، ولد وبنتان، والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين، استقبلت خبر استشهاد عاصم برضا، الحمد لله. أنا اليوم ده كان يوم خميس وكنت صايمة، واتصل بي عاصم قبل استشهاده بدقائق وقال لي: «فطرتي يا ماما؟».

قلت له: «أنا صايمة يا عاصم».

قال لي: «آه يا ماما، صحيح، طب ادعي لي يا ماما، ادعي لي وإنتِ بتفطري بإذن الله».

قلت له: «ليه يا عاصم بتقول كده؟ قلبي بيوجعني عليك، بس أنت بعيد عن سيناء يا حبيبي».

قال لي: «يعني بلاش تدعي لي يا ماما؟».

قلت له: «حاضر يا حبيبي، هدعيلك وأنا بفطر».

كنا طبعًا فاكرين خدمته في الإسماعيلية. بعدها قلبي انقبض وبقيت دموعي تنزل وحدها كام ساعة كده، وعرفنا إن في مدرعة في وسط سيناء انفجرت بعبوة، رغم إني، يشهد الله، لم أعلم أن ابني بيخدم في سيناء غير يوم استشهاده، إلا إني بمجرد ما سمعت إن مدرعة انفجرت قلت لوالده وأخواته: «اتصلولي على عاصم أكلمه».

قالوا لي: «عاصم فين وإحنا فين؟».

لأن الجميع لا يعلم إن مكان خدمته بالعريش.

قلت لهم: «اتصلولي على أخوكم دلوقت».

اتصلوا، كل تليفوناته مغلقة. كان معاه خطين محمول.

قلت لهم: «أخوكم جرى له حاجة؟».

قالوا: «لا يا ماما، عاصم في الإسماعيلية».

في نفس التوقيت بنشوف زمايله، بنشوف أي حاجة، راحوا اتصلوا بينا وبلغونا الخبر.

قلت: «إنا لله وإنا إليه راجعون... اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرًا منها...».

ورضيت واحتسبت وصبرت... ولليوم صابرة ومحتسبة، وشرفني وكرمني وحطني في مكانة كبيرة قوي في الدنيا والآخرة بإذن الله، ومستنية اليوم اللي أقابله فيه في الجنة بإذن الله.

لعاصم مواقف كتير مع أصحابه من الضباط والجنود، حكوا لي لما ييجوا يزوروني إنه كان يعطي تليفونه لجنوده يكلموا أهاليهم ويطمنوهم عليهم، ومرة واحد من الجنود قال لي: «أعطاني التليفون وقال لي: روح وراء الميز واتكلم براحتك وطمن أهلك، ما تسيبهمش كده قلقانين عليك».

وقال لي واحد تاني إن صورة الشهيد على تليفونات الجنود لحد وقتنا حبًا فيه، وزملاؤه كتير من أصحابه سموا أولادهم باسم عاصم.

وحكى لي مجند من زمايله إن عاصم مرة أخذه المستشفى، كشف له وجاب له العلاج، ووداه القطار إجازة لأهله بسيارته الخاصة، وعمل له إجازة لأنه كان مريضًا جدًا، ويحكي الشاب يقول لي: «ساعتها ما حسيتش إن في فرق بين ضابط ومجند، كلنا على قلب راجل واحد في سينا يا أم البطل».

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (1)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (1)

 

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (2)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (2)

 

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (3)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (3)

 

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (4)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (4)

 

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (5)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (5)

 

البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (6)
البطل عاصم أحمد حسن، شهيد بئر لحفن (6)

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة