لم تعد أعمال الدجل والشعوذة مجرد طقوس تُمارس في الغرف المغلقة أو الحواري الضيقة كما جسدها السيناريو الشهير لفيلم "البيضا والحجر" للراحل أحمد زكي؛ بل تطورت أدواتها لتقتحم الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي.
استغل تجار الوهم حاجات البسطاء وقلة وعي البعض لتحويل "السحر والعوالم الخفية" إلى تجارة مربحة تدر عليهم مبالغ مالية طائلة، وتستهدف بشكل خاص السيدات والفتيات اللاتي يقعن ضحايا لأوهام جلب الحبيب، وزواج العانس، ورد المطلقة، وفك المربوط والحسد.
ولم يتوقف الأمر عند حدود النصب المالي، بل امتد إلى الخديعة الأخلاقية؛ حيث يلجأ بعض هؤلاء المشعوذين إلى تصوير ضحاياهم من السيدات سراً أو علانية بحجة "الجلسات العلاجية"، ثم يدمجون تلك المقاطع ويبثونها على المنصات الرقمية لزيادة نسبة المشاهدات وتحقيق أرباح مادية مضاعفة على حساب كرامة الضحايا وخصوصيتهن.
جهود الداخلية
في هذا السياق، وجهت قطاعات وزارة الداخلية ضربات أمنية متلاحقة لحصار تلك الظاهرة الإجرامية. وأكدت معلومات وتحريات الإدارة العامة لحماية الآداب بقطاع الشرطة المتخصصة قيام عنصر إجرامي له معلومات جنائية بالنصب والاحتيال على المواطنين بالإسكندرية، مستولياً على أموالهم بزعم قدرته على العلاج الروحي، ومروجاً لنشاطه عبر صفحته الشخصية.
وعقب تقنين الإجراءات، ألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه بدائرة قسم شرطة العطارين وبحوزته هاتف محمول يتضمن دلائل ومقاطع فيديو توثق نشاطه الإجرامي بهدف زيادة المشاهدات وتجميع الأرباح.
وفي ضربة سريعة أخرى بالإسكندرية أيضاً، نجحت القوات في ضبط متهم آخر له معلومات جنائية بدائرة قسم شرطة كرموز، يمارس ذات الأسلوب الإجرامي وينشر مقاطع فيديو للدجل والشعوذة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للهدف ذاته؛ حيث جرى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المتهمين وإحالتهم إلى النيابة العامة.
خبراء أمنيون يشيدون بجهود الداخلية
وثمّن خبراء أمنيون هذه الضربات الاستباقية التي تكشف التحول الإجرامي في أساليب النصب.
وأكد الخبير الأمني اللواء خالد الشاذلي أن يقظة الأجهزة الأمنية ومتابعتها الدقيقة لما ينشر على المنصات الرقمية ساهما بشكل مباشر في كشف هؤلاء النصابين قبل توسع نشاطهم، مشيراً إلى أن الوعي المجتمعي هو حائط الصد الأول لمواجهة هذه الجرائم.
من جانبه، أوضح الخبير الأمني اللواء علاء عبد المجيد أن تجار الشعوذة يستغلون الظروف النفسية والاجتماعية للضحايا للسيطرة على عقولهم، محذراً من الانخداع بالإعلانات المضللة التي تروج للعلاج الروحي عبر شبكة الإنترنت.
روشتة أمنية
ولوقاية المجتمع من الوقوع في شباك هؤلاء النصابين، يقدم الخبراء الأمنيون خمس نصائح جوهرية للمواطنين:
أولاً: الامتناع التام عن الانسياق وراء الصفحات التي تروج للعلاج الروحي أو السحري على مواقع التواصل الاجتماعي.
ثانياً: تجنب مشاركة أي بيانات شخصية أو صور خاصة أو تفاصيل أسرية مع أشخاص يزعمون امتلاك قدرات غير طبيعية.
ثالثاً: الإبلاغ الفوري لأجهزة وزارة الداخلية أو مباحث التكنولوجيا عن أي صفحة أو شخص يمارس النصب باسم الدجل.
رابعاً: رفع الوعي الأسري والمجتمعي بضرورة اللجوء للمختصين الأطباء أو الأطباء النفسيين عند مواجهة أي أزمات بدلاً من اللجوء للمشعوذين.
خامساً: عدم الاستجابة لأي ابتزاز إلكتروني يتم بموجبه تهديد الضحية بنشر صور أو فيديوهات، والتجه فوراً لتقديم بلاغ رسمي.
عقوبات قانونية
ومن الناحية القانونية، يواجه المتهمون بممارسة الدجل والشعوذة والنصب أحكاماً مشددة وفقاً لقانون العقوبات المصري. حيث يعاقب القانون على جرائم النصب والاحتيال وفقاً للمادة 336 بعقوبات تصل إلى السجن، وتتضاعف العقوبة في حال اقتران الجريمة بجرائم تقنية المعلومات مثل انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وتصوير المواطنين دون علمهم، وبث المقاطع الخرسانية عبر الإنترنت لجمع الأموال، مما يضع المتهمين تحت طائلة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.

