سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 25 أغسطس 1920 .. النفى الأول للشاعر بيرم التونسى إلى تونس بأمر الملك فؤاد بعد قصائده الزجلية «مرمر زمانى» و«البامية السلطانى والقرع الملوكى والباذنجان العروسى»

الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 25 أغسطس 1920 .. النفى الأول للشاعر بيرم التونسى إلى تونس بأمر الملك فؤاد بعد قصائده الزجلية «مرمر زمانى» و«البامية السلطانى والقرع الملوكى والباذنجان العروسى» الشاعر بيرم التونسى

لاحقت شائعة قصر السلطان فؤاد الأول، تقول إن ابنته فايقة «من زوجته الأولى شويكار» على علاقة غير شريفة مع محافظ القاهرة حسين فخرى، ولما نما الموضوع إلى علم والدها، طلب من «المحافظ» أن يتزوجها، لكنه رفض، فعرض الأمر على أخيه محمود فخرى باشا، وأغراه بتعيينه فى منصب مرموق فوافق، حسبما يذكر الدكتور نبيل حنفى محمود فى كتابه «معارك فنية».

وعن هذا الموقف الذى يفيض بالتناقضات، أطلق بيرم زجله «مرمر زمانى يا زمانى مرمر» فى العدد الأول من مجلة «المسلة»، وكان بيرم صاحبها ومحررها ومنفذها وموزعها، ويؤكد حنفى محمود، أن بيرم أراد بزجله هذا أن يشارك فى ثورة الشعب المصرى التى انطلقت فى 9 مارس 1919، وبدأه قائلا: «البنت ماشية من زمان تتمخطر/ والغفلة زارعة فى الديوان فرع أخضر/ تشوف حبيبها فى الجاكتة الكاكى/ والستة خيل والقمشجى ملاكى»، يضيف «محمود»: بلغ بيرم ما يهدف إليه فى البيت التالى: «الوزة من قبل الفرح مدبوحة/ والعطفة من قبل النظام مفتوحة».

لم تكن قصيدة «مرمر زمانى» الوحيدة لبيرم ضد الأسرة المالكة، ويذكر فى كتابه «المذكرات»: «كان على رأس البلد فؤاد أخو توفيق الذى أدخل الإنجليز إلى مصر، وبدلا من أن يكون راعيا للبلد مسؤولا عن رعيته لم يكن يهمه هو وعائلته سوى نهب خيرات البلد بالمشاركة مع الاستعمار، ولذا لا عجب أن وقف موقفا سلبيا تاما من الحركة الوطنية، أيضا كان فؤاد بن إسماعيل الذى أغرق البلاد فى الديون من أجل نزواته الجنسية، ويظهر أنه أراد تقليد أبيه فى هذه الناحية فتزوج ودماء الناس تسيل فى مصادمات مع الإنجليز وسط شائعة تقول إنه ما تزوج إلا بعد علاقة غير شرعية بينه وبين من تزوجها «نازلى»، ثم عزز هذه الشائعة ميلاد ولى العهد فاروق بعد ستة أشهر من الزواج».

يضيف بيرم: «نشرت قصص الفضائح السلطانية فى أزجال ساخرة سميتها قصائد البامية السلطانى والقرع الملوكى والباذنجان العروسى، وكان من يسألنى عما أقصد، أرد عليه قائلا، إنها تقليد لنداء باعة الخضراوات فى الإسكندرية الذين كانوا يتفننون فى النداء على بضاعتهم بهذه العبارات، ويؤكد بيرم: «لم يخف قصدى عن الجميع وأرادت الحكومة أن تقدمنى إلى محكمة الجنايات بالتهمة الكبرى وهى العيب والسب والقذف فى عميد العائلة السلطانية»، ويتساءل: «إذا كانت القوانين القائمة عندئذ تحكم بالسجن الطويل على مجرد نقد السلطان، فما بالنا بما يكون الحكم فى هذه التهم وفى محاكم خاضعة للسلطنة؟»، ويكشف بيرم: «تساءل الجميع: عمن يكون هذا الذى تحدى العائلة الحاكمة ممثلة فى شخص الرأس الأكبر فيها، وهى التى صار الجميع يتملقونها بعد فشل ثورة عرابى أمام تحالف الاستعمار مع تلك الأسرة».

يؤكد بيرم، أنه اضطر إلى استخدام  قانون الامتيازات الأجنبية التى ورثته مصر من خضوعها للحكم التركى، ويوضح: «كان فى مصر حينئذ بلاء اسمه الامتيازات الأجنبية ورثته من عهد الحكم التركى، عندما أعطى السلطان سليمان القانونى الأجانب حق الاحتكام إلى محاكمهم الخاصة التى تطورت إلى المحاكم المختلطة، وكان الأجانب يستخدمون تلك الامتيازات فى استغلال مصر وأهلها، والإضرار بمصالحهم، واستعملتها أنا وكنت أتمتع بها بحكم ما كان من جنسيتى التونسية فى مهاجمة أعداء الله والناس وتركز هجومى على عميل الاستعمار الأول رأس العائلة الحاكمة».

يكشف: «دأبت كل يوم على نشر فضيحة جديدة عن فؤاد وأنصاره، واتصل بى أذنابهم واعدين بالمناصب الكبيرة والخدمات الكثيرة، إذ أنا رجعت عن طريقى، ولكنى رفضت أى شىء من متاع الدنيا على حساب ضياع استقلال البلاد واستغلال الناس، ولما وجدت الحكومة أنها عجزت عن إغرائى كما أنها عاجزة عن أن تنال منى بمحاكمها، أصدرت أمرا إداريا بإبعادى عن البلاد، ورغم أنه كان من حقى المعارضة فى ذلك، فإن فرنسا وكانت حينئذ دولة استعمارية تلى إنجلترا فى الطغيان، جاملت الحكومة العميلة للاستعمار الإنجليزى فى ذلك الحين، وقامت بترحيلى إلى تونس».

يذكر المستشار محمود بيرم التونسى، حفيد شاعرنا الكبير، فى حوار لمجلة «نصف الدنيا»، عدد 1773 يوم 1 فبراير 2024، أنه تم القبض على بيرم فى منطقة «المرسى أبى العباس» ليلة عيد الأضحى، وقال فيها قصيدته الشهيرة «يوم الدبايح كان/ آخر مواعيدك/ وقفت له فرمان/ انصب رايات عيدك/ وافرش لك الريحان/ واسمع زغاريدك/ زعق غراب البين/ فصلت أكفانى».

يضيف: تم ترحيله إلى قسم شرطة الأجانب «حاليا قسم العطارين»، وقضى ليلته، وعرض فى الصباح على مسيو جبر قنصل فرنسا، وبعد تحقيق سريع أصدر تأشيرة بنفى بيرم خارج مصر «ذهاب بلا عودة»، وقال له: أنت من تونس وترجع بلدك تونس، وتم أخذه إلى الميناء وسافر إلى تونس يوم 25 أغسطس - مثل هذا اليوم - 1920.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة