ما لم تكن مُمسكًا بالساعة، وقادرا على ضبط الإيقاع؛ فالوقت لعنة من دون شك. نحتاج فسحةً منه فى بعض الأحيان؛ إنما فى أغلبها يطاردنا بسيفه المُشهَر، ننجو منه مرّة، ومرّات يقضم بعض طاقتنا، وفى كل الأحوال يسرق أعمارنا نتفةً بعد أخرى.
تُدَار أغلب الحروب على الجغرافيا، وتوازنات القوّة والمصالح، باعتبارها صورة أثيرية من علاقات الأحجام والأماكن أيضا.
أما أصعب الصراعات خوضا، وأبعدها من الحسم المطلق؛ فالتى تكون على الزمن، سواء باستمهال الذات واستنزاف الغريم، أم بالرغبة فى إطالة عمر إمبراطورية، أو استيلاد بديل لها، يبرز كطائر الفينيق الأسطورى من تحت رمادها الساخن.
لا جديد على جبهة القتال الباردة نسبيا، ولن تختلف الأوضاع اليوم عما كانت عليه أمس، وفى آخر عشرة أسابيع تقريبا.
لا الولايات المتحدة راغبة فى الحرب، ولا إيران زاهدة فى التسوية؛ لكنهما يناكفان بعضهما لأسباب شتى، وكل طرف ينتظر مبادرة غريمه بالخطوة الأولى.
أكتب قبل أن يعقد وزير الخزانة الأمريكى سكوت بيسنت مؤتمره المحدد سلفا (الواحدة بعد ظهر الاثنين بالتوقيت المحلى)، وقد يُقرأ المكتوب بعد إعلان حزمة العقوبات الجديدة على طهران.
ولا أرى أن التفاصيل ستغير شيئا مما قيل طوال الشهور الماضية، ولا أن الجديد سيُحصّل ما عجز عنه القديم.
والقصد ينصرف للفريقين بالمناسبة؛ فانكسار معادلة الردع أفرز مجالا سائلا، لا أحد فيه قادر على الحسم.
فيما استُنزفت الأوراق البديلة: تهديدات ترامب لم تُربك طهران فعلاً، وإغلاق المضيق لم يُحسّن وضع الأخيرة، كما لا يضغط على أعصاب العالم كما خطَّط وتصوَّر عَتيقو الوعى.
مسح الطوفان إرث الطبوغرافيا بتوازناتها، واهتزت الأرض فى إثره؛ فتحرّكت صفائحها وتبدّلت أوزان البلاد والقوى.
قفزت إسرائيل على جدار جابوتنسكى الحديدى، واستدعت واشنطن بالأصالة، بينما أنشبت المُمانَعة أظفارها فى الصخر حتى تكسرت، وتطاير الشَّرَر إلى قلب المحور ومعقله الحصين.
وما وصلت إليه المنطقة اليوم، لم يدر فى خيال أشدّ الناس تشاؤمًا بين الشيعية المُسلّحة، ولا أعتاهم تفاؤلا فى اليمين القومى والصهيونى المتطرف بقيادة نتنياهو.
وبغض النظر عن الاختلاف فى النصر والهزيمة؛ فالدم على وجوه اللاعبين جميعًا داخل القفص المُغلق، وكُلفته مُمتدّة للخارج بالتأكيد.
ينزف الأبرياء أضعافَ الجُناة، ولا يُعرَف لمحنتهم مَدىً تنتهى إليه أو تتوقف حِذاءَه.
وتلك مُشكلة مُركّبة ومُوزّعة بالتساوى: المظلة الأمريكية باتت محلّ شكّ، والعدوانية الإيرانية لم تعُد مأمونةً أو يُمكن التعايش معها!
والمفارقة؛ أنّ المباراة شُوِّهَت شكلاً ومضمونًا. فريقان فى ملعبٍ كبير، يُصوّبان على مرمىً واحد؛ فلا تستبين صاحبَ الهدف، ولا المُتقدِّم من المُتأخِّر حقيقةً.
يحمل الفُرس خبرتهم العميقة بالتاريخ. قامت لهم امبراطوريات وانتكست؛ والزمن كفيل بالمزيد. غير أن صبر صانعى السجّاد لا معنى له إن حُرِقَ الغزل، أو أُغلِقَ السوق وانفضّ المُشترون.
الحرب أشدّ ما يخشاه الأمريكى، والإيرانى فى وضعه الراهن يخشى السلام. وبينهما الوقت حبل مشدود، يتقافزان عليه معًا.
يَسقُط الأوّل بالمَلَل وقِصَر النفس، والثانى يُسقطه سوءُ التغذية، والنظر تحت الأقدام، وغضبة المُشجّعين على الأرض.
ما تزال اللغة الخشنة حاضرة نسبيًّا؛ غير أن ترامب يُخفِّف منها، ويُفوّض بعض رجاله بتحييد أثر قليلها الباقى، مثل فانس وبيسنت وغيرهما. فى مقابل تصعيد الجانب الآخر، والتلويح بالردود القاسية، أو المبادرة الهجومية بحسب الأحوال.
كأن كل لاعب يهرب مِمّا يخشاه إلى ما يُحبّه الغريم. واشنطن تضع البندقية جانبًا وتُجرّب عقارب الساعات، وطهران تُنحّى النسّاجين وتُقدّم المُحاربين!
أما الميدان؛ فيبدو أنه ضاق ذرعًا بهما، واستوعب عُدّة التلاعب والاحتيال على كل ألوانها، فما عاد يتوتّر كما كان فى السابق بكلّ رصاصة أو صاروخ، ولا تتسرّب إليه الحرارة الخادعة من اللغة الحماسية والرسائل المُوجّهة.
متوسط سعر النفط يدور فى نطاق 90 دولارًا، رغم رمادية الظرف وغياب أُفق الحلحلة. وكان قد تصاعد منذ شنّ الهجوم فى فبراير؛ ليصل للذروة فى أبريل عند 138 دولارا تقريبا.
وخلال مايو، أى قابل أسابيع قليلة من الهُدنة المُعلنة من طرفٍ واحد أوّلا، دار فى نطاق 107 دولارات فى المتوسط.
ما يعنى أن المنحنى الصاعد انكسر عند منتصف المُدّة، وقبل الخروج من غبار المعارك إلى غُرف التفاوض المُثمرة. وقد يعود الأمر إلى فاعليّة عمل البحرية الأمريكية فى المضيق، أو رخاوة القبضة الإيرانية، وربما تساهلها المقصود.
والخلاصة؛ أن تدفقات النفط غير مقطوعة تمامًا، أو استوعبت السوق ما غاب من الممر الخليجى، ورتّبت أوضاعها. وانتهت عملية إعادة تسعير المخاطر إلى عشرين دولارًا فحسب، من متوسط 70 كان عليه النفط قبل اندلاع الحرب.
ولا شكّ فى أن الأسواق ارتبكت، وتضرّرت بالفعل؛ لكنها تستعيد توازنها وإن ببطء، وتتصالح مع الاستثناء من دون أن يُشكّل لها قيدًا خانقًا.
ويتحصّل عن ذلك؛ أن ما أُرِيد منه تدويل الأزمة وإشراك الآخرين فيها، قد يكون أقل ضغطًا وتأثيرًا مِمّا تصوّر فاعلوه، مع الأثر العكسى الناشئ عن التصعيد مع الجوار، واستعداء دائرة أوسع من الدول.
يفقد المضيق قوّته الضاربة، ولا يقل وهجه الدعائى. وكان الراحل لاريجانى قد قال مرّة ما معناه؛ إنه طلقة صالحة للاستخدام مرّة واحدة. والقصد؛ أن آثاره ستُستَوعَب، وسيُبحَث عن بديل، مع تداعيات ثقيلة جرّاء الحصار والعقوبات، وإنكار لن يتوانى عنه القريب قبل الغريب.
من الضفة البعيدة؛ لا يعرف جنرالات البنتاجون حدود القدرة العسكرية، ولا مخزون الصواريخ والمُسيّرات، وإمكانات التعويض، وتفاصيل القاعدة الصناعية وخطوط الإمداد.
لكنّ أهل الاقتصاد يعرفون تماما آثار العقوبات، ويستطيعون تشديدها، ولديهم وسائل لقياس آثارها المباشرة وغير المباشرة.
الاستراتيجية تتقصّد النظام؛ وإن أُنكِر الأمر. والتكتيك ابتدأ بالسلاح، وآل إلى الخَنق البطىء، مع الاستدراج لقطع الروابط واستعداء أطول قائمة مُمكنة.
الردّ لا يتخطّى التجاوب السلبى، وتدويل المشكلة، ومحاولة تكبيد الآخرين كُلفة العقوبات، وجعلها أزمة عالمية ينزف فيها الصديق والعدوّ معًا.
ترامب يُحوّل الوجهة، ويقلب طاولة الوقت على أصحابها. بزشكيان يرى نُذر الخطر، ويُعلى أولوية الاتفاق اليوم قبل الغد، ما يعنى أن الزمن لم يعُد صديقًا كما يتوهم الملالى، ورصيد الأيام ليس كما يُوحى الكلام!
فوارق القوّة واضحة، وللميدان قانونه الصارم. غير أن أخطر ما يطرأ على الحروب؛ أن يقرأ الغريم خُطّتك كاملةً، ويُعدّل حركته، وأن يُوظّف أهم أسلحتك ضدّك؛ فيرتد استخدامُك اللاحق لها إلى صدرك. يُدميك بناره كلّما تمكّن، وتُعينه على ذاتك دومًا بالنيران الصديقة!